Thursday, January 30, 2014


 شعرية الغرقى والتيه


نصوص أبو زيد... شعرية الغرقى والتيه
 عادل ضرغام
الثلاثاء ١٧ ديسمبر ٢٠١٣ الحياة
الكتابة عن شعر عصام أبوزيد كتابة عن ملمح خاص من ملامح الخصوصية، فالكتابة عنه ليست سهلة أو بسيطة، وذلك لأن صورته وهو لا يزال طالباً تأتي أمام عيني، ولقبه الذي كان يناديه به أصدقاؤه المقربون «المخرّب البنّاء» يأتي وكأنه غمامة تظلل الصورة الآنية. ذلك لأني كنت - وما زلت - أعشق دور المراقب، فأدركت أن ارتباط هؤلاء الشعراء (رضا العربي، عصام أبوزيد، أشرف أبوجليل، أحمد بخيت، سمير فراج، أحمد نبوي) تسوده روح الصراع والتفوق والتجاوز، قد يلتقون ويضحكون بهدوء، ولكن أسنان ذلك الصراع تطل بسرعة وتنبت من جديد.
الفارق في تكوين عصام أبوزيد يتمثل - وهو الأصغر سنا - في إدراكه الباكر لخصوصية الصوت الشعري، وتكوين منطقة خاصة به، يدافع عنها برائحة شعره، وكأن هذه الرائحة وسيلة من وسائل الدفاع، التي يعتمد عليها للتميز والتجاوز.
الأعمال الأدبية الكبرى تتكشف في النهاية عن حب ما. أطلت هذه الجملة برأسي وأنا أقرأ ديوان «أكلت ثلاث سمكات وغلبني النوم»، الصادر حديثاً عن دار روافد بالقاهرة، لأن الديوان عزف وحيد ومتسق لبناء إطار شديد الخصوصية للحب، ولكنه حب يرتبط بمقاربة ومعاينة التيه والمجهول. والشاعر في هذا الديوان لا يطارد المجهول في السديم، وإنما يخلقه ويشكله كل ليلة للوصول إلى الفرح بمعناه الصوفي، فالشاعر في سعيه النهاري تتولد لديه الصور، التي تشكل برقاً من فعل المخيلة أو التذكر، والذاكرة تنتخب هذه الصور طبقاً لقانونها الخاص، فالأشياء الصغيرة في قصيدته - أشياء صغيرة لأجلها أحبك - هي الأشياء البارقة التي تند عن النسيان، وتند عن التحقق، فهي موجودة برباط المخيلة، التي صنعتها من التيه والفقد، والرغبة في التحقق والاكتمال، والغرقى في ذلك النص من فقدوا نموذجهم، ولكنهم يلحون في استعادته للسير نحو الاكتمال، حتى لو كان هذا الاكتمال جزئياً وخيالاً. فعل التذكر وديمومته، الذي يحتمي ويتشكل من خلال غابة الصور، يخلق سياقاً خاصاً لا يشعر به إلا الشاعر نفسه في حركته، في تغير شكل تنفسه في شعره الذي يتجعد، في الصور المنثالة من الذاكرة، ولكن هناك صوراً قد تهشم هذا التوجه في التلقي:
«أحبك لأنك تعودين إلى البيت وتخلعين ملابسك وتعبرين الصالة عارية، وتدخلين المطبخ عارية، وتعدين الطعام عارية، وتأكلين معي عارية، ثم أكتب على ظهرك العاري (إن الله يحبني لأنك في حياتي)
كلميني وأنت في البلكونة
أرسلي لي بعض الهواء».
القراءة الواعية للنص من البداية إلى النهاية والديوان كياناً كاملاً، تثبت أن المرأة هنا ليست من لحم ودم، وإنما هي امرأة نموذج، لا تتشكل دفعة واحدة، هي تنطلق من مثير واقعي حقيقي، ولكنها في تشكلها لا تبقي على هذه الواقعية، وإنما تلتحم بالمثال، وتتماس مع المقدس في علوه وارتفاعه. يكشف عن ذلك مجموعة الصور المتتالية «كلميني وأنت في البلكونة - أرسلي لي بعض الهواء».
إن ثقل الحضور الخاص بالنموذج يظهر، في بعض السطور الشعرية كما يقول في هذه القصيدة «ليكن الله شاهداً على هذا الغرام العاصف» أو قوله في قصيدة «إحساسي العميق»:
«وأرانا في منتصف الطريق نشعل معركة وهمية ثم نختفي مع الجنود الهاربين في سحابة الغبار».
والنص الشعري في تصويره لتلك المرأة والشاعر يلح على تقديم طرفين متقابلين، فمع النموذج تأتي صور فاعلة في تشكيله، فهناك الزرقة/ السماء، وهو ربط يجعل تلك المرأة تند عن التصور الواقعي، فالزرقة معادل غيب ومجهول، وعدم معرفة، كما في قصيدة «خذني قليلاً من يدي إليك»:
«أراكِ هذه الأيام منزعجة وبين يديك وردة زرقاء
وردة كبيرة زرقاء تحمل بصمة الحزن».
أو في قصيدة «إحساسي العميق»:
«تزعمين أن لون قميصك في لون صخرة سماوية سقطت فوق شجرة.
فاختلط سحر السماء مع سحر الأرض».
وتكتمل صورة النموذج، من خلال صورة أخرى كاشفة عن القرب، وعدم الري، وهي صورة البحر، في قصيدته «أوصاني أبوك يا زبيدة»:
«أوصاني أبوك يا زبيدة أن أشترى لك البحر مع البيوت القريبة الملونة».
إن كل هذه الإشارات تؤيد هذا التوجه التفسيري لنصوص الديوان، ولكن هذه الصورة اللافتة السابقة، التي تكشف عن علو وارتفاع، تقابلها صورة أخرى ناتجة من السابقة ومن ذلك الارتباط الخاص، ففي قصيدته «هلوسات ليلة الأنفلونزا»، تأتي صورة الشاعر متدثرة بالرمل والعطش.
هذه الحال الشعرية حال خاصة، ولكنها موجودة لدى شعراء آخرين، ولكن قيمة النص الذي بين أيدينا في كونه يقدم لنا تلك الحال مستنداً إلى ثقافة منفتحة على كل الثقافات والفنون الأخرى، فالسمة الأساسية لشعرية عصام أبوزيد هي سمة الانفتاح على الثقافات، وهذه الثقافات تأتي منصهرة في شعره. يتجلى ذلك واضحاً من العنوان، فالسمك رمز الكمال والوحدة عند قدماء المصريين، وهو رمز استخدمه المسيحيون، شعاراً قبل استخدام الصليب ليتعرفوا على بعضهم من دون التعرض لمضايقات.

بوصلة لتوجيه القراءة
إن دال «السمك» هنا بوصلة لتوجيه القراءة، وإعادة تركيب الصور الخاصة بعمل المخيلة، فالشاعر - في لهاثه النهاري - ترافقه صور جزئية متخيلة، تعيد إليه بهاءه في شكل جزئي، ويتم نقصانه إلى لحظة التوحد والانفراد، ومن هنا يبدأ في ممارسة طقوس التوحد، وكأنه يعمّد نفسه من جديد في كل ليلة قبل النوم.
وهناك جانب آخر من جوانب ثقافة عصام أبوزيد الموسيقية، يجعله ينثر رموزه في شكل محسوب إلى حد بعيد، ويقدم من خلالها إشارات تقود المتلقي وتسهم في إكمال عناصر الصورة القارة المهمومة بتشكيل حب مغاير. يتمثل ذلك في ثقافته الموسيقية، فإشارته إلى الجيتار، وإلى عدم إجادته البرتغالية يعيدنا إلى الفاديستا، وهو نمط غنائي برتغالي حزين يرتبط بالفراق والحنين.
وإشارته إلى الروك أند رول وهي حركة موسيقية شعبية ظهرت في بداية الأربعينات، تعتمد على الأداء الصوتي القوي (الجيتار والدرامز) أكثر من الغناء الرخيم، ساعدته على إظهار حدة المفارقة بين القسيمين، المرأة المثال والشاعر:
«أحب موسيقى الروك أند رول ومذاق القرنفل الصاخب وتحبين صوت مغنية ناعمة يطفو فوق بركة السباحة ومصطلح روك يصف الرغبة في الاهتزاز، والرقص، ويعبر عن نشوة الروح، يؤيد ذلك أن ظهوره للمرة الأولى في الريف الأميركي على يد العبيد السود، فأصبح أسلوباً للتعاظم على الواقع، ومحاولة الخروج عليه.
في إطار ذلك يمكن أن نتوقف عند قصيدة «ديسكو»، فبدلاً من أن تبكي وحيداً، تستطيع أن تبكي حول آلاف الناس، وتبكي وترقص وتغني في آن: «أحب أن تكون في غرفتي صالة ديسكو
وأحب أن يكون في الغرفة سلم كلما انفعلت رفعني إلى أعلى لأشق السقف وفي الفضاء أطير... ثم أشتاق للغرفة فأعود إليها».
إن النزوع إلى الاتكاء على فاعلية الغناء والرقص في الانتقال من حال إلى أخرى، والعودة إلى الحال السابقة بوصفها حالاً من حال الانطفاء، آلية استخدمها المتصوفة، للمساعدة على الارتقاء والتوحد، وتلح أيضاً في كلمات المسيح عليه السلام «أنا إن ارتفعت عن الأرض أجذب إلي الجميع»، ويلمع صدى لتلك المقولة وأقوال أخرى له بشكل بارز في قصيدة «خذني قليلا من يدي إليك».
الاتكاء على الأسطورة ملمح واضح في هذا الديوان، بخاصة في قصيدة «نانا»، ففي الأسطورة السومرية كانت الآلهة توصي ابنتها تنليل ألا تخلع ثيابها، وتسبح في النهر، خوفا من أن يراها إنليل، ولكنها تفعل ذلك، ويراها ويضاجعها، ويبذر في أحشائها بذرة الإله نانا، تغضب الآلهة وتنفي إنليل للعالم السفلي، وتتبعه تنليل وهي حامل بابنها القمر:
«سيارة بيضاء وطريق ناعمة، وكلب عيونه حمراء تراقبنا توقفي خلف محطة البنزين، وخلف مزارع الصفصاف توقفي الحياة مخزن كبير ونحن سرقناه ابتسمي وأنت تغمزين بعينك اليسرى وأنت ترفعين عن الأرض فستانك المبلول». إن الحياة وفق هذا التصور نسق صلد جهم، ولا يقلل من حدة الجهامة إلا لحظات الحب المسروقة، التي تعطي زاداً للاستمرار، ولكن المشكلة تتمثل في أن الإنسان بعد أن يشعر بهذه اللحظات المسروقة، وكأنها لحظات للاكتمال أو يصبح إنساناً كاملاً بتعبير المتصوفة، يتولد لديه صعوبة في العودة إلى حاله الأولى، ومن ثم يتشكل لديه حنين دائم لتلك اللحظات، ومن هنا تصبح عملية التعميد الليلية طقساً دائماً يبدأ بالخلوة، مروراً بالرقص والغناء، وانتهاء بالانفتاح على المتعالي، ومعاينة السمو، يتجلى ذلك في تشكيل جديد للأسطورة السابقة في قصيدته «إحساسي العميق»: «نحن جئنا من قلب مغارة مظلمة، ولم يكن ضرورياً أن نخرج للنور
أنا خرجت لأنني ولد طائش ومجنون
مصيبتي أن الرفاق في المغارة يطالبونني الآن بالرحيل
إلى أين أذهب في هذه الحياة.. أين أذهب؟
أنت أيضاً كل يوم تهربين».
إن شعرية عصام أبوزيد هي شعرية التيه، شعرية الغرقى والحمقى، الذين تخادعهم اللغة، فيجدون أنفسهم مجبرين على استخدام ألفاظ يستخدمها الأناس والبشر العاديون، بينما هم يمرون ويشعرون بأحاسيس مغايرة، لم تستطع كلمات اللغة اصطيادها، على رغم المحاولات العديدة، للاقتراب والمقاربة.


* ناقد وأكاديمي مصري.

Wednesday, September 5, 2012

رواية كانت مطمئنة...تاريخ المهزومين غير المحاربين-عادل ضرغام

جريدة الحياة اللندنية 4سبتمبر 2012
تأتي رواية «كانت مطمئنة» للكاتب حسين القحطاني، محاولة أن تثبت طبقة معرفية ذاهبة للاندحار والتلاشي والذوبان، من خلال سردموضوعي، يرتبط بالراوي العليم، الذي يحرك الشخصيات والتوجهات الفكرية، التي يحملها نص الرواية من خلال الاتكاء - بوصفها آلية أولى - على الثقافة الشعبية أو التراث الشفهي، الذي ينتقل من جيل إلى جيل. الرواية تشير إلى تلك الطبقة المعرفية بتراثها الشفهي، كأنه معلم من معالم الهوية، لا يجب أن يهمل.
فالإشارة إلى الحكايات المرتبطة بجبل الدقم، أو قصة النباش، أو طريقة وأنواع الملبس والمأكل، إضافة إلى العادات والتقاليد، تأتي وكأنها خطاب مضاد للسائد والمهيمن.
ربما كان الوقوف عند العنوان (كانت مطمئنة)، مدخلاً مهماً لمقاربة العمل، وتشكيل جزئياته وبنياته الفاعلة، فالعنوان يشير إلى ثبات النسق، والتراتب ونمط الحياة، الذي كان سائداً قبل ذلك، وأي دخول لعناصر فاعلة داخل سلسلة النسق والتراتب، ونمط الحياة، يحدث خلخلة في سلم القيم أولاً، وفي سلم التراتب الذي كان سائداً قبل ذلك.
ولا يجب أن نتوقف «بالاطمئنان» عند حدود سيادة نسق، وتحلل وذوبان نسق آخر، فهو - في التحليل الأخير - يرتبط بالمقارنة بين حياة فطرية، وحياة حداثية مزدانة بالتغييرات الاجتماعية والاقتصادية، الحياة الفطرية، التي تتحلل في إطار نسق قديم، تظل أطلاله قابعة في نفوسنا، نحنّ إليه على رغم الغياب شبه الكامل.
إن وجود النسقين على هذا النحو، نسق ميت له جذوته، ونسق مهيمن له الوجود الفاعل، كان له تأثير على بنية العمل، وتشكيل الشخصيات، فالرواية - على رغم من خطيتها المرتبطة بالسرد التراتبي التصاعدي من البداية إلى النهاية - قائمة على مراقبة نسق يتفكك ويتحلل، ومراقبة نسق يسيطر ويهيمن بالتدريج، من خلال التوازي البنائي بين شخصيتين: (يحيى البقال، الذي لا نسب له)، وشخصية الغريب (تميم)، وأي صعود وسيطرة لأي من الشخصيتين، يجاوبه اختفاء أو تحلل من الشخصية الأخرى، وغياب للفاعلية. فشخصية تميم حين كانت في بداية وجودها لبناء نسقها، كانت شخصية يحيى مهيمنة، وحينما بدأت شخصية الغريب تميم تأخذ مكانها، من خلال أفكاره المهيمنة، وأثرها على الرجال والنساء والشيخ، تحللت شخصية يحيى البقال، لأن مبررات وجوده قضت عليها أفكار الغريب.
لقد ارتبط نسق الاطمئنان المتحلل آنياً بشخصية يحيى البقال، التي قدمت بشكل خاص، يجعلها علماً على ذلك النسق، فقد أصبح - على حد تعبير إحدى الشخصيات - كالشمس «نفتح أعيننا عليه، ونأوي إلى مخادعنا على وداعه»، وهو في منطق السارد العليم (الوحيد الذي يخاطب النساء، ويمازحهن، فرجال القرية موقنون ألا مضرة منه). فيحيى الأعور يعبر عن الحياة في بساطتها من دون تعقيدات، ولهذا يأتي صوته في نهاية الرواية كاشفاً عن انتهاء زمنه «تغيرت بكم الدنيا يا محمد، أصبحتم أكثر تضييقاً على أنفسكم، غابت عنكم سحب الحب التي كانت تلفكم، ماذا جرى؟».
أما شخصية الغريب تميم، على الوجه المقابل، فهي تأتي مشتقة من النبوءة، التي تحملها في الرواية الجدة صالحة، فهي تمثل معرفة مبنية على تجارب ومنازلة للحياة والزمن، والنبوءة التي تحفظها عن آخرين سابقين، ترتبط بأغراب يسيطرون على عقول الأبناء، ويحدثون بهذه السيطرة بترا عن الإرث الماضي بعيداً عن حياة الدعة والهدوء، وتجعل صالحة تحقق هذه النبوءة مرتبطاً باختفاء شخص له سمات مشابهة لسمات وصفات يحيى البقال، وبجفاف بئر السيد، التي أصبح لها شكلان مختلفان باختلاف سيادة كل نسق.

رسالة تنويرية
في إطار هذه النبوءة تتجلى شخصية الغريب تميم، فهو رجل صالح، يحفظ القرآن، لا يميل للنساء، رسالته تنويرية من وجهة نظره، يأخذ عليهم الاختلاط، لم يكن أهل القرية يفهمون مقصده من الاختلاط، بل أحد الرجال تخيل أنه يتحدث عن اختلاط الماشية، مما جعله يدرك أنهم بحاجة إلى مجهود مضاعف، وإلى تغيير في آلياته، فانتقل إلى جيل الصغار، لأنهم سيشكلون امتداداً وصدى لأفكاره، ولأن الكبار تعودوا على طريقة إمامهم السابق صديق، وبالتدريج استطاع أن يكون جيلاً يصوب الأخطاء، التي عجز عن تغييرها مع الأهالي.
إن هيمنة ذلك النسق تتجلى في التحول، الذي أصاب بئر السيد، بعد أن كانت مكان اللقاء والعواطف، كما أشارت الجدة صالحة للإشارة إلى طريقة معرفتها بالشيخ عيسى، ومكاناً للإنشاد الشعري، كما تجلى مع نخلة شقيقة جبران. فقد أصبحت في ظل النسق الجديد رمزاً للقسوة، ولم يعد يقصدها سوى الرعاة وعابرو السبيل، وعند سقوط جارية من جواري الشيخ جبران بها، حدث الاختلاف، حول من يمكن أن يكون محرماً لها، وظل الخلاف محتدماً حتى ماتت. والمحاولة الأخيرة التي قامت بها مهرة أخت الشيخ جبران الصغرى، لامتحان التحول والتبدل، التي ركبت بغلة أخيها، حتى تصل على البئر، التي خيم عليها الموت لم يكتب لها النجاح، لأن أخاها الشيخ جبران - لتكوينه البرغماتي - تدثر بالنسق الجديد، فقضى على تلك المحاولة.
وجود هذا النسق بالشكل المهيمن، ما كان له أن يتم، من دون ظروف فاعلة، يتمثل أهمها في غياب شخصيات، كان يمكن أن تشكل النسق الأول وتقويه وتعضده، وتثبت وجوده بالنزاع، والمجاهدة لإبقائه فاعلاً، وليس بالتسليم، الشخصية الأولى هي الشيخ عيسى، الذي «اختفى ولم نجد له أثراً»، فالشيخ عيسى كان شيخ القرية قبل جبران، والرواية لم تفصح بشكل كامل عن توجهه، ولكن هناك إشارات يمكن أن تكشف عن هذا التوجه، مثل قول الرواية عن يحيى الأعور (أوصى به الشيخ جبران).
الشخصية الأخرى، التي يمكن أن تبني نسق المحاربين، هي شخصية ناصر، الغائب الذي أخذ من أبيه الكثير، وصورته في عالم الرواية شبيهة إلى حد بعيد بالحلم أو المخلص أو المنقذ، والرواية لم تشر بشكل مباشر إلى أي نسق يمكن أن نضعه، ولكن معاينة التسلسل أو الصفات المسدلة على بعض الشخصيات بداية من عيسى الأب، ومروراً بالابن ناصر، وانتهاءً بالحفيد محمد، تشير إلى أن هناك تشابهاً في ملامحهم ونزوعهم، فكل هذه الجزئيات تضع (ناصر) في إطار الغائب المنتظر، وتحرك دلالة مريم الزوجة، لتأخذ أبعاداً رمزية، تند عن أي تصور واقعي، وتجعل منه علامة قوة، كان يمكن أن تغير وتثبت النسق الذاهب للاندحار والتلاشي.

نسق المقاومة
إن غياب نسق المقاومة في النسق المتحلل المرتبط بغياب شخصيات كان يمكن أن تكون فاعلة في حال وجودها، لا يمكن أن يكون كاملاً لو لم يكن هناك تجاوب من الشخصيات الأخرى الموجودة، فالإلماح في ثنايا الرواية إلى أن أحمد كرش (شقيق ناصر الغائب)، شخصية تنم عن الضعف، من خلال الإشارة إلى أنه لم يرث شيئاً عن أبيه عيسى، وجزئية غياب النسب الفاعل في إطار شخصية يحيى الأعور، إضافة إلى تحالف الشيخ جبران مع النسق الجديد، كلها جزئيات ترسم نمط التسليم بدلاً من النزاع والقتال في سبيل إبقاء نسقهم حياً.
وقارئ الرواية يدرك أن غياب الشيخ عيسى، وغياب ابنه، ربما يكون مقصوداً للإيحاء بأن سيطرة النسق المهيمن، تمت من دون نزال، أو من دون قتال، فالرواية - في الأساس - تعبر عن هؤلاء المهزومين، الذين وجدوا أنفسهم في مقابل صراع لا قبل لهم بمنازلته، أو محاربته، مثل الشيخ صديق، أو أحمد كرش، أو قاسم صدقة، فكلها شخصيات مستسلمة، قد تظهر همهمة وضيقاً وتبرماً، ولكن ليس لديها الشجاعة للقتال أو النزول إلى حلبة الصراع.
إن الرواية في ذلك الإطار تعطي صوتاً للمهزومين، الذين لم يحاربوا، وتعطي صوتاً للمقهورين الذين لم يعط لهم قبل ذلك مساحة للتعبير أو لتمثيل أنفسهم، كما تجلى بشكل لافت في شخصيتي (نخلة) و(مهرة)، فالرواية تلح على ظلم الشيخ جبران لهما، فهما أقل قيمة من الجواري عند مالكيهم. فصوت مهرة، التي ربطت بجوار بغلة أخيها، يظل فاعلاً «يا إلهي كيف أقضي حاجتي، فأنا غير قادرة على حبس بولي»، أو قولها بعد أن فك قيدها «وهل الحياة في البيت أفضل من هذا المدرس، كلاهما تفوح منه رائحة العذاب والقهر»، وكاشفاً عن اندحار خاص تحت سلطة وهيمنة الأخ الشيخ جبران، الذي يعطيه النسق القديم سلطة فاعلة في ذلك الإطار، ويعطيه النسق الجديد من خلال غض الطرف عن تلك الممارسات بوصفه ولي أمرهنّ قدرة مهيمنة.
أي قارئ سيلمح تشابهاً بين هذه الرواية، ورواية ساق الغراب ليحيى أمقاسم، في مجموعة من الأفكار والشخصيات، ولكن بعد قراءة العملين، يمكن القول إن حسين القحطاني يقدم في هذه الرواية نسقاً تعبيرياً، يكشف عن موهبة تتكشف، وتتفتح، إضافة إلى أن هناك تباينات بين العملين، فرواية ساق الغراب تكتب تاريخ المهزومين المحاربين، ولكن هذه الرواية تكتب تاريخ المهزومين غير المحاربين، الذين سلموا أنفسهم طواعية من دون نزال، وإن ألمحت الرواية إلى وجود همهمة جزئية أو عدم الرضا. وهناك فارق آخر يتمثل في كون يحيى أمقاسم أقام روايته من خلال البحث المضني في التاريخ، وتقديم طبقة معرفية، ونمط حياة كان سائداً، أما هذه الرواية «كانت مطمئنة» فمنطلقها تعبيري في الأساس، يرتبط بحنين جارف للفطرية الموغلة في التسرب والانفلات، ولهذا فقد حاولت أن تعطي بعض الشخصيات القدرة على تمثيل ذواتها، في مقابل كون مطبق ومهيمن، مثل يحيى البقال، ومهرة، ونخلة.
تبقى جزئية أخيرة تتمثل في الخلط بين السرد والحكي، فالحكي يمكنني من الاستماع أو القراءة عن سنوات طويلة من حياة الشخصيات في جمل بسيطة، ولكن السرد القائم على التحبيك، يهتم بالطريقة التي يمكن أن تقدم بها الحكاية إلى المتلقي، ولهذا أظن أن الرواية يمكن أن تنتهي عند نهاية الفصل الـ22، «كانت تلك آخر جملة نطق بها تميم، في خطبته الأخيرة»، أما الفصل الـ23 فلا قيمة له في إطار هذا الفهم، من ترك النهاية مفتوحة، ويحتاج إلى إعادة نظر لتحبيك وكتابة جزء ثانٍ وثالث من هذه الرواية.


* ناقد وأكاديمي مصري.

Thursday, September 15, 2011

مقاربة الأيديولوجيا في الرواية- جريدة المستقبل العراقي 23-6-2011

مقاربة الأيديولوجيا في الرواية

تم قراءة الموضوع 190 مرة

د. عادل ضرغام يورد آلان روب جرييه في كتابه (نحو رواية جديدة) قوله (كتابة الرواية لا يمكن أن تكون كتابة بريئة)، وهذه المقولة بداية يمكن أن تشير إلى جزئية مهمة، وهى إن مقاربة الرواية بتجلياتها العديدة لا يمكن أن تنفصل عن المنحى الفكري أو الأيديولوجي، حتى في الروايات التي يمكن أن تكون بعيدة عن ذلك السياق انطلاقا من توجهات إبداعية نظرية .وهذا التوجه ربما يجعل مقاربة الرواية من الناحية الأيديولوجية عملا مشروعا، وتتجلى الرواية – في ذلك السياق – بوصفها مشروعا ثقافيا لا ينفصل – بالضرورة – عن السياسي والاجتماعي . ومصطلح الأيديولوجية من المصطلحات المزعجة التي تندرج تحتها دلالات عديدة، ولكنه – بالرغم من هذا الإزعاج – يظل مهما في طبيعة التواصل بين الأفراد الذين يحملون توجهات قد تكون متجاوبة أو متباينة، (فطبقا لألتوسير فالممارسة الأيديولوجية مهمة ومركزية بالنسبة لحياتنا، فالأيديولوجية تبنى خبرتنا بالعالم، وتشكلنا في إطار إرتباطنا بهذا العالم، وكذلك تبنى وتشكل إحساسنا بأنفسنا(وربما كان لألتوسير تأثير كبير في تشكيل جوانب حدود هذا المصطلح، وتجليه الفكري، ففي الدراسات الخاصة بالأيديولوجية هناك إشارات دائما إلى الوعي الزائف الذي تكونه الأيديولوجية، بوصفها آلية تحجب الحقيقة، وربما ولد هذا التوجه تحت تأثير ماركس، الذي شحن المصطلح بدلالة سلبية، (ولكن ألتوسير – الذي انطلق من إنجاز ماركس – يرى أن الأيديولوجية حقيقة جديدة، أكثر من دلالتها على حجب الحقيقة، وملاحظة ألتوسير المهمة تتمثل في أن الفردية بوصفها موضوعا تصنع – أساسا - لحمل الأيديولوجية(وفي تحديد دلالة مصطلح الأيديولوجيا، يجب أن نشير إلى أن هناك توجهين أساسيين، الأول منهما يجعل هذا المصطلح وثيق الصلة بالأفكار والمعتقدات، التي تجمع أعضاء مجتمع معين أو شريحة خاصة من أعضاء هذا المجتمع يقفون في موقف معارض أو مباين لشريحة معينة في إطار ذلك المجتمع، (فعالمة الاجتماع إميلى دوركهايم ميزت الطريقة أو النهج الأيديولوجي بوصفه نسقا يستخدم الأفكار ليحكم ترتيب الحقائق(إن هذه الأفكار أو القيم تشكل سلطة مهيمنة، في طبيعة الحركة أو الفعل أو رد الفعل، للأفراد الذين ينتمون إلى هذا المجتمع أو إلى شريحة منه، بوصفها تشكل نسقا جاهزا للحركة، فيأتي فعلهم أو رد فعلهم متساوقا أو منطلقا من هذه الأفكار،وفي ذلك يقول أحد الباحثين (كل أيديولوجية تكون إطارا أو بنية، تلك البنية التي تشتغل كعدسة تساعد أعضاء المجموعة لقراءة أو إساءة قراءة الأحداث والنصوص والصور، أو أي شكل من أشكال المعلومات، وبدون هذه القاعدة أو الإطار، أو بدون عدسة الأيديولوجية سنجد صعوبة في قراءة المعلومات والصور والأحداث، وستظل وجهة النظر الفردية غير مفهومة( إن التوجه الأول في تحديد الأيديولوجية، يجعل المصطلح وثيق الصلة بجزئيات ثقافية وفكرية واجتماعية وسياسية، وهذه الجزئيات قد أصّلت وأصبح لها إشعاع وفاعلية، بحيث تبدو محركة ومؤثرة لحركة الأفراد الذين ينضوون في إطارها . أما التوجه الثاني، فإنه لا ينظر للأيديولوجية على أنها مجرد انعكاس للسياقات السياسية أو الاجتماعية في الواقع، وإنما يلح على حضور العمليات الفكرية لدى البشر، ولهذا يشير بعض الباحثين أن الأيديولوجية هي المعرفة المشتركة . هذه المعرفة المشتركة، كان لها تأثير في توجيه المصطلح، نحو دلالات أكثر عمقا بعيدا عن دلالته السطحية في التوجه الأول، فجاءت دلالته مرتبطة في إطار ذلك التوجه وثيقة الصلة بعلاقة الإنسان بالعالم المحيط به، والأيديولوجية – في إطار ذلك التوجه – تحاول الإجابة عن أسئلة ترتبط بوضع الإنسان في ذلك الكون،وفق شروطه الوجودية المطبقة في إطار سياق حضاري، (فالأيديولوجية – كما يقول أحد الباحثين – هي علاقة معيشة بين الإنسان والعالم) وربما يكون هذا التوجه مؤثرا في توليد بعض المصطلحات،التي كان لها تأثير فاعل،في شد مصطلح الأيديولوجية إلى دلالات قد تكون أكثر عمقا،مثل مصطلح (رؤية العالم)، الذي لا يقف عند حدود معاينة وضع الإنسان وفق سياقه التاريخي بوصفه حالة ساكنة،وإنما يستدعي – بالضرورة كما يقول جمال حمداوي- الأحلام والتطلعات التي يحلم بتحقيقها مجموعة أفراد لمجموعة اجتماعية معينة( فالأيديولوجية، حين ترتبط بوضع الإنسان الذي ينتمي إلى شريحة معينة، لا تقف عند حدود الإطار الواقعي، وإنما تمتد بالضرورة إلى نسق مثالي يتوجه إليه ذلك الفرد بشريحته الخاصة التي ينتمي إليها، لأن وضع الإنسان في مواجهة العالم في تجربة معيشة يشير إلى عملية فعل وانفعال، من خلال محاولة كل قسيم تطويع الآخر لتوجهاته وأفكاره.وفي مقاربة الأيديولوجيا في الرواية هناك نسقان، النسق الأول يقف عند حدود الوعي بهذا السياق الحضاري أو السياق الأيديولوجي، ويتوجه إليه بشكل مباشر، ومن ثم يتم الانتقال إلى النص الأدبي والتعامل معه، كأنه آلة تعكس بشكل مباشر هذه السياقات المختلفة،وفي ذلك السياق يكون الاهتمام منصبا على هذه الجزئيات التي تشير إلى واقع فعلى ملموس، بدون الاهتمام بكيفية تجليها، وفاعليتها في تقديم واقع فني . والواقع الفني المقدم في الرواية على نحو خاص يختلف – بالضرورة – عن الواقع الحياتي، فالصوت السردي في العمل الروائي – كما تقول إحدى الباحثات – ليس منتج أيديولوجيا، بل يمكن النظر إليه بوصفه أيديولوجيا، لأنه موجود في نقطة الاتصال بين الموقع الاجتماعي والممارسة الأدبية) إذن فالأيديولوجية التي يمكن مقاربتها في الرواية، قد تنطلق من معطى واقعي،ولكنها في تجليها وتشكلها يتكوّن لها ملامح خصوصية، تتشكل ملامح هذه الخصوصية من البناء، ومن ثم يجب أن ينصب اهتمام الباحث أو المتلقي على البنيات الشكلية، وليس بالأيديولوجية الواقعية أو التطبيقات الاجتماعية المرتبطة بالعمل السردي . إن الفارق بين التوجهين في مقاربة الأيديولوجية، فارق ينبع من توجه يرتبط بمقاربة هلامية،تحاول إثبات الترابط بين الموجود في النص الروائي، وبين سياق خارجي، تم تأسيسه سابقا، ويكون الاهتمام مرتبطا برصد ورود هذه الجزئيات، دون إشارة إلى طبيعة تجليها، التي تمنحها مغايرة ما، وتوجه لا ينطلق من جزئيات أسست سابقا، وإنما يحاول معاينة التشكيل السردي الذي يعطى – بالضرورة نتيجة للممارسة الأدبية – واقعا مختلفا . وقد ألح كثير من النقاد على قيمة هذا المنحى، ففلاشينوف يقول (إنه بدون الإشارات اللغوية،لا توجد أيديولوجيا) وفرانك أوكونور أشار (إلى أن أي فن حقيقي هو – بالضرورة – زواج بين أهمية المادة وأهمية المعالجة الفنية)
إن هذه الجزئية مهمة،لأنه ليس هناك مضمون ناجز بدون اللغة، ولا يمكن – أساسا – أن نتخيل وجود مدى دلالي دون استحضار اللغة، (فاللغة ليست فقط نظاما للملفات العقلية أو آلية لحمل الأفكار،وإنما اللغة تتكامل مع الفكرة بوصفها عملية استطرادية، اللغة والفكر يشاركان في إنتاج المعرفة .)
0 صباحا

Thursday, February 17, 2011

شعرية السرد في تفاحة الصحراء-القدس العربي

شعرية السرد الروائي في تفاحة الصحراء
عادل ضرغام
بعد قراءة رواية "تفاحة الصحراء" لمحمد العشري تنتاب المتلقي حالة غريبة من الفرح والغبطة والانكسار في الوقت ذاته، وسوف يجد المتلقي نفسه في حالة نشوة تتيح له استخدام ألفاظ بديعة وجديدة لوصف هذه الرواية. وسوف يحاول أن يقدم تفسيرات عديدة لتميز هذه الرواية، من هذه التفسيرات – على سبيل المثال – أنها تقدم صورة فيها نوع من الخصوصية للصحراء الغربية، ومنها - أيضاً – أنها تقدم وعياً مغايراً أو إحساساً مغايراً لوعي الكاتب بهذا العالم، ففي روايته الثانية "نبع الذهب" كان إحساس محمد العشري مشوباً بالدهشة التي هي أولى مراتب المعرفة كما يقول سقراط، أما في هذه الرواية، فقد تخلص محمد العشري من الدهشة، وحاول تقديم حالة معرفية جديدة تتيح له الإدراك الواعي بهذا العالم الصغير المتعلق بالصحراء والمرتبط – حتماً – بالعالم الكبير الذي نحيا فيه. ومنها – كذلك – لغة الرواية التي جاءت في لغة فريدة مقطرة تجمع بين الشعر والسرد الروائي، فالرواية - بالرغم من استخدامها لغة شعرية وما تتيحه من رسم صور خاصة – لم يتأثر اتساقها السردي، نتيجة لرسم الصور الشعرية المرتبطة بالشعر، فلغة الرواية يمكن أن نطلق عليها أنها تشع بجمالية التقرير، تلك الجمالية التي لا نستطيع تفسيرها، وإنما نشعر بها فقط من خلال فعل القراءة.
في رواية "تفاحة الصحراء" نجد أن الأسلوب السردي ليس أسلوباً عادياً، فهناك إطاران من السرد، أو هناك خيطان متوازيان في نسيج الرواية من البداية إلى النهاية، أو هناك عالمان مقدمان بالرغم من الفارق الزمني بينهما، ولكنهما يتواشجان فيما بينهما تواشجاً كبيراً.
ففي الإطار الأولى "إطار السرد الحياتي المعاصر"، تأتي شخصية الجيولوجي تامر الدكر الذي يعمل بالبريمة بطلاً لذلك الإطار، ومن خلال الرواية تتجلى سمات الشخصية الأساسية، فهذه الشخصية لديها وعيّ بالماضي التاريخي لهذا المكان "صحراء العلمين"، فقد كان أول ملمح يدخل إلى المتلقي عن عالم الرواية من خلال إحساس ذلك البطل الخاص بالمكان "هاجمته صورة المعركة الضارية، من مكانه شعر أن صفوفاً من الجنود والدبابات".. إن هذه الجزئية المقدمة عن إحساس البطل بالمكان وخصوصيته يحيل المتلقي إلى وعي البطل باللحظة الحضارية القديمة، ومدى تأثير هذا الوعي على إدراكه لمتغيرات الأمور في اللحظة الراهنة. وهذا الوعي الجديد قدمته الرواية في أجزاء عديدة من نصها، يتجلى ذلك في إدراكه لطبيعة وجود الإنجليز بشكل مغاير من خلال الشراكة بين المصري والأجنبي، يتجلى ذلك في الحوار بينه وبين جون:
جون: أراك تطبق دراستك للعلوم جيداً.
- أحاول أن أفهم بعض أسرار الطبيعة.
- أرضكم غنية.. فوق الأرض وتحتها كنوز لا نهاية لها.
- ابتسم موجهاً عينيه إلى عينيه مباشرة، أضفى على حديثه بعض المرح، قال: لذلك أنتم هنا.
وعلى هذا فإن الجيولوجي تامر الدكر يمثل الإنسان المثقف الذي يعي الماضي، وينطلق منه لرؤية الحاضر المعيش، ولذلك نجد الرواية تفصح عن ذلك المنحى حين تقول في ص72 "وكان تامر يشعر من آن لآخر أن عليه واجباً ما ولا بد أن يرى ما يفكر فيه هؤلاء الأجانب العاملون معه"..
إن الإطار السابق للسرد يتداخل ويتماهى مع إطار سردي آخر يمثله شخصية الشاب عبد الرحمن، والذي تحول في إطار السرد المعاصر إلى الشيخ عبد الرحمن عامل المقابر أو مساعد كيوديني الإيطالي. فهذه الشخصية أو ذلك الإطار يدخلنا إلى جزئية الحرب العالمية الثانية، وتتجاوب مع الوعي المعرفي للبطل في الإطار الأول تامر الدكر، ومع ما قدمته الرواية من خلال استخدام المذكرات التي أُفرج عنها حديثاً، لتقديم صورة عن طبيعة حياة البدو في تلك الفترة، وعن طبيعة العلاقة الناعمة بينه وبين الملازم دونا ماكسويل.
إن وجود الإطارين وتوازيهما في السرد الروائي، لا يعني – بالضرورة – إن هناك إطاراً أساسياً، وآخر يمكن أن نعده إطاراً فرعياً، فالرواية لا تنحاز لخيط دون آخر، وإنما يمتد الإطاران معاً في حالة عناق وتوازٍ دائمين، لكي يخلقا إحساساً خاصاً بالمكان. فالمكان في هذه الرواية يمكن أن نعده بطلاً أساسياً، فمن خلال الوصف أدركنا طبيعة هذه الصحراء التي تشكل صفات وملامح ساكنيها، وأدركنا طبيعتها الغولة، وأدركنا طبيعة النباتات مثل "الغرنبوس – الميدك الحولي – الترقاس"، وحية الطريشة.
ومن جزيئات المكان سوف تظهر جزئية أخرى تتعلق "بالجمل" القائد الذي يقود الجمال الأخرى في الصحراء، فهذا الجمل من خلال صورته الممتددة من بداية الرواية إلى نهايتها – والممتد عمره من الحرب العالمية الثانية إلى الوقت الحاضر – يمكن أن نعده بطلاً من أبطال الرواية، فهذا الجمل يتأمل عمال البريمة ويقارن بين سلوكهم غير المؤذي بسلوك أصحاب الحرب العالمية الثانية "يتحدث عنها كبيرها وهو يحكي عن الجنود الذين عاصرهم، وكيف كانوا يحيلون النهار إلى ليل أسود بسحبهم، والليل إلى نهار أحمر ملتهب بالنيران" أو قوله في ص18 "الجملان يتباحثان مشكلة الكائنات الغريبة".
إن الصورة النابضة والتي تحمل سمات الكائن العاقل المقدمة للجمل، والتي تجعله يقف على بساط واحد – من حيث الامتداد الزمني من الحرب العالمية الثانية إلى الوقت الحالي – مع الشيخ عبد الرحمن، سوف تجعلنا ننتبه إلى جزئية مهمة في روايات محمد العشري، الروائية بصفة عامة، وفي هذه الرواية بصفة خاصة، وهي صفة إضفاء الحياة على الماديات المحيطة، وهذه جزئية ربما نابعة من طبيعة الروائي الخاصة، التي تضفي وحدة خاصة على الأشياء، وربما تكون نابعة من طبيعة البطل وطبيعة عمله بوصفه جيولوجياً يتأمل الأحجار بشكل خاص.
تفاحة الصحراء من خلال هذا البناء السردي الخاص ترتبط بمقاربة جزئيات فكرية لها نوع من الخصوصية، خاصة في أطار اللحظة الزمنية، التي يتماهى العمل الروائي في إطارها بالرغم من الفارق الزمني بين الإطارين، أولى هذه الموضوعات يتعلق بالصراع الحضاري بين الشرق والغرب، وفي تلك الجزئية يجب ألا تخدعنا العلاقة الناعمة بين الشاب عبد الرحمن ودونا ماكسويل، والرواية في تقديمها لتلك العلاقة أفصحت عن الإعجاب الشكلي فهي بالنسبة للشاب عبد الرحمن حالة مباينة للمعهود، وغير الموجود في بيئته الصحراوية، وهو بذلك يتماس مع الوعي السائد في تلك الفترة، فالثقافة العربية في تلك الفترة كانت تمر بوعي مغاير يعبر عن الدهشة المشوبة بالإعجاب. وهي بالنسبة لدونا ماكسويل تمثل نمطاً مغايراً في حالة الحرب، فجاء الإعجاب الخارجي الذي لم يفض إلى تداخل.
ولكن الرؤية الحقيقية لصورتنا لدى الغرب تتمثل في مواقف عديدة أشارت لها الرواية، ولكننا سوف نختار منها – على سبيل المثال – موقفين، يدلان على صورتنا لدى الغرب، الموقف الأول يرتبط بمقتل البحارة الليبين بدلاً من علاجهم، حتى لا تنتشر العدوى بين جنودهم، وهذا سلوك يجعلنا أقرب إلى الحيوانات التي ليس لها وزن أو قيمة. أما الموقف الثاني فيتمثل في الوثيقة التي أخرجها مكتب الوثائق بعد فترة طويلة من الكتمان "والوثيقة عبارة عن خطة عبقرية قدمها بطل الحرب لحكومة العمال حينئذ لتحويل قارة أفريقيا إلى ثلاثة إتحادات فيدرالية يسيطر عليها البريطانيون، ووصف الأفارقة بأنهم همجيون بشكل مطلق، وغير قادرين على تطوير بلادهم".
هذه الرؤية تنطلق من رؤية متعالية للآخر، بوصفه أقل فكراً وقدرة على تسيير أمور نفسه بنفسه، فالآخر – من وجهة نظرهم – في حاجة دائماً إلى قائد يدبر له أموره.
إن الرؤية السابقة تمارس تأثيرها ودورها في ظهور قضية جديدة عرضت لها الرواية بشكل مؤثر، وتتمثل في صورة الاستعمار الجديد، وذلك بعد انتهاء صورة الصراع التقليدي، المتمثل في الحروب والاحتلال، ويتمثل الاستعمار الجديد في الشراكة الاقتصادية بين شركات مصرية وشركات أجنبية، فالشريك الأجنبي له امتيازات ليست متاحة للمصري، ولنقارن بين موقف الشركة من جون الأجنبي، حين فقد بعض أصابعه، حيث حصل على ميلوني دولار، وبين موقفها من المصري عامل البريمة، الذي صدمته البريمة، الذي لم يحصل على شيء، بل حاول الخبثاء إسناد الخطأ إليه، حتى لا تعالجه الشركة على نفقتها، والمفارقة الواضحة بين الموقفين تتساوق مع التعنيف الشديد الذي تعرض له الجيولوجي تامر الدكر، على فعلته بخروجه مع جون للصيد.
وتتساوق مع القضية السابقة قضية الألغام التي زرعها مونتجمري في صحراء العلمين وهو في حالة فرار "فمع الهرب يلقي الهارب كلّ حمولته خلف ظهره دون أن ينظر أو يفكر في أي مكان ستقع". إن هذه الإشارة – نقصد حالة الفرار – تشير إلى عدم وجود الخرائط التي تسهل إلى حدّ كبير عملية التطهير "أكثر من مليون لغم منتشرة هنا كيف سنطهر هذا العدد الخرافي"..
إن المتأمل لهذه القضية كما عرضتها الرواية يشعر بقيمة عرض الموضوع في رواية أدبية، بعد أن تم عرضها في فيلم سينمائي حديثاً، هذا العرض يشكل حالة حضارية ملحة، لكي تتم مطالبة هذه الدول أولاً بإزالة الألغام، وثانياً بالمطالبة بتعويض لعدد كبير من المصريين الذين راحوا ضحايا للكائن الخرافي المتمثل في اللغم.
وفي هذه الجزئية سوف تصدمنا الرواية من خلال المفارقة الحادة بين نزوع الأجانب في المطالبة بحقوقهم، فجون – وهو ينتمي إلى الدولة التي زرعت الألغام – أخذ تعويضاً عن إصابته السطحية. هذه الصورة تتباين مع موقف المصريين حين يصيب اللغم أفراد البدو في ذلك المكان "إن ذلك الحادث يحدث مع البدو يومياً دون أن ينتبه أو يتحرك أحد، ويتم التعامل مع ما يقع بالتجاهل كأنه أمر طبيعي، وأنهم هم المخطئون، لأن القليل منهم يجهلون خطورة ما بين أيديهم".
يتبقى أن نشير إلى جزئية أخيرة عرضت لها الرواية في ثنايا السرد، وتتمثل في صورة الإدانة التي تقدمها الرواية للمؤسسة أو الدولة في التعامل مع هذا المكان، فالرواية تقدم المكان وكأنه كان نسياً منسياً، ولولا حرب العلمين في الماضي لما شعر المصريون بوجود ذلك الجزء من أرضهم، ولولا البترول في الحاضر – الذي يمكن أن يتماس مع عنوان الرواية – لما كان هذا الاهتمام الظاهري في الوقت الحالي.
والرواية حين تقدم هذه الإدانة إلى المؤسسة أو الدولة، تجعل الإدانة منصبة إلى عدم الرقي بالمكان وأهله اجتماعياً، يتجلى ذلك في الحوار بين الشيخ عبد الرحمن والشيخ حمد، حين تقول على شباب ذلك المكان "إن الناس لا يعرفون شكل الجنيه"، وفي الحوار الممتد بين كيوديني الإيطالي والشيخ عبد الرحمن "إن المقابر أفضل من البيوت التي تجاورها"، وفي قول راغب القابس بعد سرقته جثة عمه، ودفنها في مقابر العلمين "أخيراً سترقد في مكان يليق بك.. هيا إلى الجنة".
وحين نتأمل نزوع الأجانب مع أمواتهم في الاحتفال السنوي، لكي يقولوا لهم أننا لم ننس تضحيتكم من أجلنا، ونقارنها، بين نزوع الدولة، التي لم تحاول أن ترقى بأهل المكان اجتماعياً، مع هذا المكان سنشعر بالسخرية الممرورة.
وعلى هذا فالاهتمام بهذا المكان قائم على استخراج الثروات فقط، دون أدنى محاولة للاهتمام بهؤلاء الناس الذين هم أبناء الوطن، الذين يجب أن نرقى بهم اجتماعياً وثقافياً.
إن رواية محمد العشري "تفاحة الصحراء" تأتي في النهاية لكي تؤكد على أن مبدعها قد وصل إلى إبداع لغة شديدة الخصوصية والتميز، وشديدة التقطير، مملوءة بتجارب إنسانية لا تحصى ولا تحد، وتثبت – أيضاً – أن الكاتب وصل إلى مرحلة التوهج الفطري الذي سوف يظهر أثره أكثر وضوحاً في أعماله القادمة.

*د. عادل ضرغام
ناقد وأكاديمي مصري

Sunday, December 5, 2010

جريدة المدينة السعودية المنحى الأخلاقي في التحليق حول الوهج لعبدالله المطمي


المنحى الأخلاقي في التحليق حول الوهج لعبدالله المطمي
عادل ضرغام
هل يمكن الحديث في اللحظة الآنية التي نحياها عن نزوع نحو الأخلاقية في الفن بتجلياته العديدة، على الرغم من أن هذا النزوع الأخلاقي في الفترة الآنية وفي فترات سابقة بعيدة، أصبح كل المبدعين يفرقون من أن ترتبط أسماؤهم بهذا المنحى، خاصة بعد شيوع نظريات تحاول أن تقضي على شرعية هذا المنحى، فأصبح وجود الرسالة بشكل عام، والمنحى الأخلاقي بشكل خاص في عمل إبداعي ما سببًا من أسباب النقد الذي يوجه إليه.إن الحديث السابق ربما يكون ضروريًّا ونحن نتوقف أمام مجموعة التحليق حول الوهج للقاص عبدالله المطمي، فقارئ هذه المجموعة القصصية سيدرك أنه أمام حالة نادرة تقدمها قصص المجموعة خاصة إذا كان على وعي بطبيعة الكاتب وسلوكه وتكوينه. فقصص المجموعة كاشفة للصفاء الإنساني النبيل، الذي يظل –في مقاربته لجزئيات الواقع وتكوينه البراجماتي– على هيئة واحدة، دون تغيير، أو دون وجود جزئيات بسيطة تهشم صفاء الأنموذج أو جمال الأيقونة، التي يرسمها المتلقي للكاتب.وليس معنى هذا أنني أنطلق في مقاربتي للمجموعة من خلال صورة خاصة رسمتها للكاتب، وإنما معناه أن قصص المجموعة تشير إلى شخص له طبيعة خاصة، لا يتبرم على نسق مسيطر يرفضه البعض، وإن أشار إلى مجموعة أنساق لها فعل السيطرة والشيوع، هو –فقط- يكتفي بعرضها تاركًا الحكم للقارئ دون أدنى محاولة لتوجيه القارئ نحو وجهة نظر معينة، وهو كذلك لا يتسلق – كما يفعل كثيرون من كتاب القصة القصيرة والرواية في المملكة العربية السعودية في اللحظة الآنية- بالإلحاح على جزئيات مسكوت عنها، ويضعها في بؤرة التركيز والتحليل، هو –فقط- يكتب وعيه دون رطانة زائفة، ودون بهارات قد تكسب هذا العمل اهتمامًا وقتيًا.والمنحى الأخلاقي لدى عبدالله المطمي ليس منحى وعظيًا، وإنما هو منحى تأملي قائم على الملاحظة الصامتة، يؤيد ذلك أن أغلب قصص المجموعة -إن لم يكن كلها- جاءت من خلال ضمير الغياب، الذي يخرج الذات من بؤرة التركيز، ويجعل الاهتمام منصبًا على نسق موضوعي عام.تتجلى ملامح ذلك النسق الأخلاقي من خلال عدة جزئيات جاءت فاعلة في تشكيل المجموعة، منها اختيار الأنموذج الكاشف، الذي ينضوي في إطاره أفراد عديدون، ففي تشكيله لهذه النماذج لا يتوجه إلى نماذج آنية معاصرة، وإنما ينتقي نماذج من لحظات سابقة، لكنها ما زالت مملوءة بالحرارة والوهج لما تشكله داخل المتلقي من نزوع لمعاينة نماذج بائدة بسحرها واختلافها عن نماذجنا الهشة الآنية.ففي قصة الرحلة الحلم يرتبط تشكيل الأنموذج بامرأة عجوز وحيدة فقيرة تقتات من بيع بيض دجاجاتها، تضع القرش على القرش انتظارا لرحلة الحج الذي حلمت بها طويلا، فقد أصبحت رحلة الحج حلما يزداد توهجا كلما دنا موعدها. إن اختيار هذه المرأة بوصفها أنموذجا لكثيرات ينتمين للحظات سابقة اختيار لحالة وجدانية قديمة، ما زال النزوع إليها مشروعا، في ظل سيطرة نماذج آنية زائفة، فهي تمثل حنينا لصفاء وإيمان تامين.ويبدو أن إلحاح الكاتب على النماذج المملوءة بالصفاء التام، المبني على المعرفة الشفهية، التي تنتقل من جيل إلى جيل دون الحاجة إلى القراءة، أو التأثر بتوجهات فلسفية خاصة كان له تأثير في تشكيل أنموذج آخر، ففي قصة (الرجل الصامت )يأتي الأنموذج مرتبطا بنوع خاص من البطولة التي توجد في كل القرى، بحيث تتكاتف سمات معينة لتشكيله، منها المعرفة القائمة على التجريب، وقدرته على أداء أعمال غيره من البشر، حضوره الذي يجمع الآخرين حوله، ردوده وتعليقاته اللاذعة، رحيله بهدوء.المتأمل للأنموذجين السابقين يدرك أنهما أنموذجان لهما يقين خاص ليس مبنيا على القراءة أو المعرفة المحددة بأطر معروفة، وإنما هي معرفة كونت تدريجيا بفعل التجربة والمعايشة والارتباط بالآخر بشكل يحدده الأنموذج، وبفعل اليقين الذي لا ينفصل على المعرفة، والذي أثر على لحظة النهاية لدي كل أنموذج، فالمرأة ماتت ساجدة في الحرم بعد تحول الحلم إلى حقيقة وأداء فريضة الحج، والرجل الذي يشبه نماذج عديدة في كل القرى رحل بهدوء ودون جلبة واضحة.إن بناء الأنموذج يشكل انتصارا للهامش القروي، بعيدا عن المتن الذي تحتل المدينة فيه الوجود الأكبر بقيمها الخاصة، والانتصار للهامش لا يعني تقديم نماذج لافتة للنظر بغرابتها، بقدر ما هو تسجيل وإعلان انتساب لتلك الكيانات المميزة بيقينها وبمعرفتها الخاصة.ومن الأشياء اللافتة في المجموعة وتأتي وثيقة الصلة بالمنحى الأخلاقي الخاص في المجموعة، تصويره لبعض الأنساق الاجتماعية، وهي أنساق لا يرضى عنها أغلب الكتاب والمبدعين، ومازالت –بالرغم من خفوت بعضها– مثار شد وجذب. فقصص المجموعة لا تقدم وجهة نظر يحاول من خلالها الكاتب أن يجعل القارئ متساوقا معها أو مرتبطا بها كما يفعل الآخرون من خلال آليات التحفيز، وإنما نجده يقدمها في إطار سياقها الخاص المرتبط بدلالتها في عرفها الاجتماعي. ففي قصة (الختان) لا يلمح القارئ أي صدى لعدم الرضا بهذا النسق، فهو يقدمها لكي يختزنها بوصفها دالة على مرحلة سابقة، وهو بذلك لا يشعر القارئ بمحاولة الانفلات من هذا النسق أو التبرم عليه، بل على العكس من ذلك نجده يشعرك بالاطمئنان والانتساب إليه. وقد كان هذا النسق الخاص له حضور لافت لدى كتاب القصة والرواية في المملكة، كما في رواية ساق الغراب، وفي مجموعة (تلك التفاصيل) لحسن الحازمي التي تنتمي مجموعته لهذا التوجه الأخلاقي، في قصة حسن حجاب الحازمي نجده يسير في الإطار ذاته لكنه في النهاية يتبرم تبرما هادئا، وذلك من خلال إشعار المتلقي بوفاة الشخص الذي أجريت له عملية الختان.إن هذه الآلية الخاصة بتغييب وجهة النظر حول الأنساق، التي ما زال الاختلاف حولها قائما، ظلت حاضرة وفاعلة في مقاربة جزئيات وأنساق أخري اجتماعية عرفية، مثل جزئية العنوسة في قصة البشارة، أو عمل المرأة في قصة انفراج، أو قيادة المرأة السيارة في قصة التحليق حول الوهج. وهذا التغييب ليس متعمدا خوفا من بطش أو زهدا في شهرة يجليها الارتباط بهذه الجزئيات من خلال رفضها والتبرم عليها، وإنما هو نزوع أسسه تكوين فردي ما زال متجذرا في ذلك الإطار، وليس لديه ترف الابتعاد عنه أو التبرم عليه.يتبقى أن نشير إلى أن هناك مجموعة كثيرة من القصص تنتمي إلى الشكل المكتنز أو المكثف، والذي يسمى القصة القصيرة جدا، وفي إطار ذلك المنحى الإبداعي يحدث تغييب للحدث وللسرد المتنامي، ويظهر نتيجة لذلك اهتمام خاص بالفكرة وهيمنة لها، بحيث تغدو بؤرة التوجه الأولى في ذلك النوع من القصص.ففي قصة رضوخ على سبيل المثال، لا يلمح المتلقي سردا تراتيبيا أو بناء سرديا، وإنما يتم التوجه مباشرة للفكرة، حيث يتجلى للقارئ طبيعة ذلك الرضوخ، فهو ليس رضوخا قائما على انكسار خاص قد يتوقعه القارئ، وإنما يرتبط ذلك الرضوخ –الذي أصبح داخليا– بمعاينة تحول من الزوجة تجاه زوجها تحولا داخليا يجعلها تقارب ما في زوجها من سمات خاصة ومشاعر دافقة، ومن ثم يحدث التغيير داخليا. فإذا كان النفور داخليا فإن متعة مقاربة معاينة الجمال أو الارتباط به تدريجيا تتم بشكل داخلي لا يشعر به إلا تلك المرأة.إن هذا النسق الإبداعي الذي يرتبط في الأساس بسيطرة للفكرة وتغييب آليات السرد المؤسسة بفعل الكتابة الإبداعية يؤثر بالضرورة على البناء السردي، الذي جاء مكثفًا ومكتنزًا إلى حد بعيد، فهذه القصص تبني حضورها وإشعاعها الدلالي على المفارقة، كما يتجلى في قصة ندم وقصة وداع، وقصة إياب. ففي قصة ندم تتشكل حدود الفكرة في إطار فاعلية الزمن، ودوره في تغيير المواقف والأدوار والتوجهات من خلال صورتين تشكلان المفارقة، الصورة الأولى ترتبط بامرأة ما، لها جمال فاتن، يجعلها تماطل في عروض الزواج، وترفض كل الأصوات الناصحة. أما الصورة الثانية والأخيرة والتي تولد المفارقة فهي صورة المرآة، التي تضع لهذه المرأة من خلال الإشارة إلى الشعرات البيضاء، في إطار خاص من الندم، وكأن المفارقة وهي وثيقة الصلة بكل أدب له قيمته تطهرنا وتطهر نظرتنا للحياة
.

Monday, August 16, 2010

نظريات جديدة في السردية الروائية-جريدة الثورة إبراهيم حسو

نظريات جديدة في السردية الروائية

كتب
الأربعاء 11-8-2010م
إبراهيم حسو

يبدأ الباحث المصري عادل ضرغام في كتابه التحليلي الجديد (في السرد الروائي) بما يشبه لملمة الاتجاهات النقدية الحديثة في الرواية العربية الجديدة ضمن منحى واحد هو مقاربتها بالتوجه الأيديولوجي عبر دراسة روايتين عربيتين هما ( الحب في المنفى ) لبهاء طاهر و( النيل الطعم والرائحة ) لإسماعيل، فهد إسماعيل،

ويأتي هذا المنحى الأيديولوجي كقيمة بحد ذاتها وكفنية تتناول الشكلين الداخلي والخارجي ولكليهما تأثير مباشر على السرد الروائي، وكذلك على السياق البنائي سواء أكان هذا البناء تصاعدياً أم متحولاً، ويبدو أن ثيمة التحول هي التي تقود الرواية العربية إلى هندسة وجودها وتسيطر على تاريخها ومستقبلها ويقصد الباحث بالتحول وجود مركزية الصوت السردي السلطوي التي تهيمن على مسار السرد الروائي وتتحكم بشخصياته وحتى بمجرى أحداثه، وكل ذلك في سبيل مكاشفة القيمة الفكرية والتوجه الأيديولوجي فيها، وتوقف الباحث طويلاً عند هذه النقطة بعد تعريفه لمصطلح (التوجيه السردي) التي يعرفه ( أن مقاربة الرواية أو على توجه قد يكون أكثر منهجية أيديولوجية الرواية، يجب أن ترتبط بمعاينة البناء، والاتكاء على آلية سردية فاعلة، كان لها دور في تغذية القيم الأيديولوجية وتشكيلها”.‏

إلى جانب أكثر أهمية من نظريات التحول والتصاعد يتوجه الباحث في بحث مثير ويدعو التساؤل إلى نظرية ( آلية الوعي ) التي تكشف عن العالم الداخلي للشخصيات وتعبر عن وعيها وثقافتها وتأثيرها ضمن محيطها الاجتماعي والإنساني، ويعيب الباحث هنا على الروائيين العرب الجدد إضمار ثقافة شخصياتهم ومرتبة وعيهم غارقين في الوصف الخارجي والأحداث التفصيلية التي غالباً ما تحمل ثرثرات مجانية لا طعم لها ولا صوت ولكنه في الوقت نفسه يشيد برواية ( النيل الطعم والرائحة ) وبأنها أكثر الروايات التي بنيت على التشكيل التصاعدي أو التراتبي لوعي شخصياتها ويعتبرها رواية المكاشفة بين الروائي والشخصية وبين الحدث وتفصيلاته السردية، ويجعل من تنامي وتحولات شخصياتها إلى الحس المعرفي والقناعات الأيدولوجية التي يحملها الروائي ويؤمن بها كوجهة رأي مفترضة.‏

ويعرج الباحث على المناهج وأساليب السرد الروائي المستجدة التي تنبثق بدورها من تلاقح وتعاطف السرد الروائي في الستينيات مع التقنيات الجديدة القادمة من أوروبا ككتابات الروائيين في أمريكا الجنوبية وتحصين هذه التجارب بطابع محلي يطغى عليها الخاصية الفردانية التي تلخص من خلالها مشكلات الإنسانية بأجمعها، ويرى الناقد المصري عادل ضرغام في بحث آخر عن ضرورة إنشاء مرئيات سردية مبتدعة وتشكيل رؤى مرادفة لها كعمليات تعدد الأصوات وتنوع المظهر والتشديد على لغة الخطاب الروائي ومؤازرته بجماليات اللغة (الشعرية ) أو ما يسمى بجماليات ( القص الشعري ) وفي القسم الأخير من البحث يحاول الباحث مجدداً اقتراض نظريات جديدة من التجارب الروائية العالمية عبر السير الذاتية وظاهرة الروائي (المتحول ) الداخلي والرواية الإشكالية التي تنفي الجنس المنجز ودعوة إلى إلغاء فكرة الجنس الأدبي الواحد ذات الشكل التقليدي المستمر، ويذكر الكثير من التجارب الروائية التي كتبت بقصد اعترافات شخصية أو يوميات دوّنت كتعبير عن مرحلة عمرية تقل فيها الكثير من المغامرات والأسرار والبواطن ويعتبرها الباحث خزينة المفاجآت اللامتوقعة من كتّاب كبار حققوا خلال مسيرتهم الإبداعية روايات لم تستطع الاقتراب من شخصيات رواياتهم مثل ما هم منغمسون في ذواتهم ونزواتهم.‏

يبقى كتاب (في السرد الروائي) من أهم الكتب النقدية التي تلخص مشكلات السرد الروائي العربي، وتبرز أيضا الحلول الجديدة وأساليب أخرى تساهم في اتساق الأنموذج الروائي وإحداث نوع من الانسجام المكثف في نظام بنائه الجديد.‏

(في السرد الروائي ) دراسة - عادل ضرغام - الدار العربية للعلوم وبالتعاون مع منشورات الاختلاف 2010.‏

Thursday, July 1, 2010

في السرد الروائي- جريدة الوطن السعودية خالد الأنشاصي

في السرد الروائي

محاولة للكشف عن البناء المتساوق مع التوجه الأيديولوجي
يحتوي كتاب "في السرد الروائي"، الصادر حديثاً عن "الدار العربية للعلوم ناشرون" للناقد الدكتور عادل ضرغام، على دراسات ثلاث يتوقف خلالها المؤلف عند تلك الخصوصية المرتبطة بالفن الروائي، بوصفه جنسا أدبيا له حضوره المتميز، من خلال بعض الدراسات التي تحاول الإفادة من تلك الخصوصية، المرتبطة بتقديم أنساق جاهزة للقارئ فيتحاور معها معارضا أو موافقا انطلاقا من توجهه الفكري والأيديولوجي. وربما كان لفكرة الأيديولوجيا أثر كبير في ذلك الكتاب، فالدراسة الأولى (التوجيه السردي في رواية "الحب في المنفى" لبهاء طاهر)، والدراسة الثانية (تشكيل الأيديولوجيا في رواية "النيل الطعم والرائحة" للكاتب إسماعيل فهد إسماعيل) تصبان في إطار توجه شديد الخصوصية بحيث يرتبطان برصد بطلين مأزومين متساوقين بنسق قديم، ويؤمنان بشرعية وجود ذلك النسق، في ظل وجود وسيادة نسق مباين. وتأتي الدراسة الأولى منطلقة من فعل التوجيه، بوصفه آلية فاعلة تتيح للكاتب - وهو يقف على حافتي الواقع الفعلي والواقع الفني - أن يؤسس بناءً روائياً متساوقاً مع رؤيته الفكرية وتوجهه الأيديولوجي. وفي هذا السياق يقول المؤلف: "هذا التوجه في مقاربة الرواية يلقي بظلاله على الطريقة التي يمكن أن نقارب بها القيم الأيديولوجية في رواية ما. هل ترتبط هذه المقاربة بمعاينة واقع فعلي، ثم البحث عن هذا الواقع في النص الروائي، وكأن هذا النص يقدم الواقع الفعلي، بوصفه آلة منتجة ساكنة لا تغير في طبيعة هذا الواقع؟، أم إن هذا التناول يجب أن يرتبط بمعاينة ومقاربة آلية فنية فاعلة، يكون لها الوجود وفعل السيطرة والتشكيل لبنى فكرية، ويكون ذلك هو الأساس، لأنه قبل إنجاز العمل الأدبي- والعمل الروائي على نحو خاص – لا يمكن الحديث عن أيديولوجيا، فالعمل الروائي لا ينتج أيديولوجيا، هو – فقط - يسهم في صيرورتها نحو الذيوع والانتشار أو نحو التهميش والانطفاء. والآلية الفاعلة في رواية بهاء طاهر، والتي تشكل نمط ومعمارية البناء، تتمثل في انبناء السرد في إطار تصاعدي مع وجود ذاكرة منفتحة، وهذا البناء وثيق الصلة بمعاينة التحولات بين ماض سابق وحاضر آني له فعل السيطرة والهيمنة، ويتجلى ذلك في تشكيل الشخصيات وتحولها من نسق إلى نسق آخر". أما الدراسة التالية فهي ترتبط بالتوجه السابق، حيث تم التوقف عند آلية تيار الوعي، بوصفها الآلية الفاعلة المتحكمة في تشكيل العمل، وقد كان لها تأثير على الشخصية المقدمة، التي قدمت بشكل مفتت يحتاج إلى من يجمعها، لكي تتكون له في النهاية صورة شبه كاملة عن البطل أو عن الشخصية الرئيسة. وقد أثرت هذه الآلية – كما يقول المؤلف - على طبيعة الراوي في الرواية، فالراوي في رواية تيار الوعي له – إن وجد – وجود خاص، وذلك لأن منطق سيطرته على منطق البناء ووجهة النظر- في إطار رواية تيار الوعي- يكاد يكون محدودا. ولكن رواية النيل الطعم والرائحة لا تُبنى فقط على نسق أو آلية تيار الوعي، فتيار الوعي يطل آلية فاعلة في إطار وجود سرد تراتبي تصاعدي، ولهذا فوجود الراوي في إطار السرد التتابعي له نوع من المشروعية، وإن كان لا ينفرد وحده بوجهة النظر أو بزمام البناء، وإنما يوجد ما يمكن أن نسميه الصوت المشترك أو المتوحد بين الراوي والشخصية. وقد مكنت آلية تيار الوعي القارئ من معاينة نسقين، نسق قديم متوار، ونسق جديد. والشخصية الرئيسة – وإن لم تعلن انتماءها إلى النسق القديم- إلا أنها تتساوق معه، وتحاول من خلال فعل خاص تهشيم النسق السائد الآني، وتثبيت النسق القديم. أما الدراسة الأخيرة فهي تحاول تقديم تجليات نظرية وفكرية لجنس السيرة الذاتية، ويرى المؤلف هنا أن التصور - أو التجلي الأول - التاريخي، يحكم على السيرة الذاتية – انطلاقا من مؤسسات ومقدسات تتصل بحدود الأنواع الأدبية الكلاسيكية- بأنها جنس هجين غير مستقر ومنفتح على أجناس أخرى. أما التصور البنيوي فهو يهتم – انطلاقا من توجهه الخاص الذي يهتم بالبنية ولا يهمل الجنس التاريخي – بالتشكيل المنجز في لحظة ما، ومن ثم نجد أصحابه ينطلقون من جزئية تحليل البنية، للوصول للعنصر الفاعل، وقد كان هذا التوجه فاعلا في مقاربة السيرة الذاتية، لأنه يبحث عن عنصر مهيمن، ليس له صفة الثبات الموجودة في الآليات أو الأسس الموجودة، التي حددها التصور الكلاسيكي لنظرية الأجناس الأدبية. أما التوجه الأخير المرتبط بجنس السيرة الذاتية فهو التوجه المرتبط بنظريات ما بعد الحداثة، وهذه النظريات حاولت – برأي المؤلف - أن تنزل نظرية الأجناس الأدبية من كيانها الفوقي المتعالي، خاصة وهذه النظريات تنطلق من نفي فكرة الأصل الثابت، ونفي الجنس المنجز.