Monday, February 21, 2022

 

سردية الفصام

بين المتخيل النموذجي والحكايا المصاحبة

في الرابع عشر من برومير للقاص أمل سالم

عادل ضرغام

        القصة القصيرة بعد أن غادرت مساحات التماهي والتداخل التي كانت تضعها في سياق واحد مع فنون سردية أخرى، أسست وجودها من خلال التركيز على المنعطفات الجذرية أو الحوادث المؤثرة الدامغة التي تقلب حياة الإنسان، فلا يعود ذلك الإنسان نفسه قبل مروره بالحدث، لكنه يتحول إلى شخص مختلف، يقارب الحياة في إطار وجهة نظر متشككة متخوفة، فتفقد أمنها ويقينها في الأشياء والمنطق المتعارف عليه، فمرورها بتلك الحوادث أو الحادثة زلزل منطقها، وأغبش رؤيتها إلى حد بعيد، ومن ثم نجد الذات بغيتها في التواري، من خلال أفعال تتحصّن بها لإسدال بطانات المقاومة والاستقواء.

        تتحول القصة القصيرة- نظرا لاقترابها من معاينة المنعطفات الكبرى المؤثرة في حياة الإنسان- إلى عرض جاهز أو إلى نتوء جزئي، لا يمكن الوصول إلى طبيعته إلا من خلال اللهاث والجهد المبذول في مطاردة الفكرة أو المنحى المعرفي، من خلال الوقوف عند آليات لها فاعلية في تجسير الهوة المرتبطة بخصوصية النوع التي ترتبط بمعاينة النتيجة الجاهزة في كتابة مكتنزة، لا تحفل بالتحليل أو التنظيم، ولكنها تحفل بالتغريب، خاصة حين يكون اشتغال الكتابة منصبا على معاينة شخصيات مملوءة باشتغالات نفسية كاشفة عن اضطراب وغرابة دائمين.

        في قصص (الرابع عشر من برومير) للكاتب أمل سالم هناك إصرار واضح على على كسر خطية السرد بأساليب متعددة، لا تندرج داخل الأساليب المعهودة أو الوسائل للقيام بذلك، فالكتابة هنا تستند إلى أساليب جديدة توجدها طبيعة الكتابة ذاتها، وطبيعة مرتكزاتها ومنطلقاتها، بداية من نزوع الكاتب إلى تقليب الظاهرة حول مجمل وجوهها الممكنة، ربما بسبب حضور المعرفي الذي يتجلى بأشكال عديدة، تشعر المتلقي بالقلق والإرباك في تلقي القصص، وتؤثر بالضرورة على حركة السرد وتناميه.

        ارتباط قصص المجموعة بالمعرفي والإدراكي جعل الكتابة ترتبط بنزعة تأملية لحال البشر، ومعاينة أساليبهم في الحياة وطريقة ارتباطهم بها، وآليات التعاظم للإفلات من واقع لا يرحم، فاهتمام القصص الأساسي بالبشر في نزوعاتهم الفردية الغريبة، وردود أفعالهم الغالية. لا يترك أمل سالم في كتابته للقصة القصيرة- ربما لارتباطها بالتأمل والتجربة- القارئ يواجه القصة دون مقدمات كاشفة عن مكنونات ومصكوكات جاهزة مبنية على تجربة أو تجارب سابقة، يتمّ التعبير عنها غالبا في إطار سردي جمعي يتعدى حدود الذات ليلتحم-إمعانا في صوابه وموضوعيته- بالمجموع، بحيث تبدو رؤيته في بداية القصص، أو في المنعطفات الدالة الكاشفة عن الحركة والانتقال أشبه بالمؤقت أو الموجه لحركة المعنى في القصة، خاصة في ظل وجود شخصيات تقارب الآني بذاكرة منفتحة مشدودة للماضي، ولا تستطيع أن تتخلص من حضوره، وكأن هذه الذات المختفية وراء الكتابة ووراء صياغة الشخصيات تحاول أن تفسر انحيازاتها للخيارات الحياتية الممتدة، وتؤكد مشروعية هذا الاختيار، وتشير في جزئيات ليست بالوضوح الكافي لأسباب هذا الاختيار.

سردية الفصام والحكايا المصاحبة

        لا تستند سردية الفصام في تحديدها إلى علم النفس، وإنما تستند إلى عمليات التغريب والتداخل التي يمكن أن تحدث أثناء القراءة، فقارئ المجموعة سيصاب كثيرا بالتعب الشديد في الوصول إلى تحديدات واضحة للأصوات الساردة في القصة أو في مجمل القصص، لأن الكتابة القصصية في هذه المجموعة لا تقدم للقارئ تحديدات يقينية لهذه الأصوات، إلا في جزئيات كاشفة عن نوعية الضمير السارد، وتحوّله من متكلم إلى غائب.

        القارئ هنا أمام فصام فني لا يحفل بالاستواء والبناء الهارموني بقدر احتفاله بجمع المشابه والمباين في آن، فالكتابة ليست معنية بتقديم تحديدات واضحة للنقلة أو للتحول من صوت إلى آخر، ولكنها تقدم هذا التعدد بشكل متوال، وعلى القارئ – والحال تلك- أن يصغي إلى هذه التحولات، وإلى الأصوات الساردة التي قد تبدو  متشابهة ومتباينة في آن، فيتعامل معها القارئ على أنها تجليات لصوت واحد، ولكنه سرعان ما يدرك أنها أقرب إلى التباين منها إلى التشابه.

        سردية الفصام وثيقة الصلة بإيقاع الكتابة وطبيعة الحركة والانتقال من جزئية إلى أخرى، فالكتابة القصصية موزعة بين سرد متنام يتحرك من خلال مرتكزات تمثل وقفات ثبات للتوجيه التي تأتي وكأنها لحظة صمت قبل الحركة لتسويغها. وفي إطار ذلك تصنع الكتابة إيقاعها بين الحركة إلى الأمام أو إلى الخلف أو الوقوف في لحظة ما لاختيار الحركة أو لاختيار مسرب جديد لها. الوقفة الإيقاعية تتعدد أماكن ورودها، فهي- لأنها لا تقدم سردا تصاعديا أو ارتداديا- وثيقة الصلة بالفكر والمعرفة والتأمل، فنجدها في بداية القصة كأنها تمثل عملية التجهيز، على نحو ما يمكن أن نرى في قصة (مساحة السلالم)، حيث يقول (في أعيادنا نشارك أطفالنا بهجة العيد... فإننا نصنع الحلوى ابتهاجا بالعيد) فهذه وقفة أولى، لكنها كاشفة في البداية عن التجهيز الدلالي للمنحى الفكري الذي يقارن بين مثال متعال وواقع مبذول، فكأن الوقفة في بداية القصة تمارس التأسيس للفعل وللنهاية الكاشفة عن عمق التباين بين حلوى مثالية لم ولن تمس وحلوى يلهو بها الأطفال مبذولة ومتاحة.

        ولكن وجودها الأكثر أهمية – أي الوقفة الإيقاعية- يتمثل في وجودها نصا منفردا قائما بذاته، بالإضافة إلى وجودها موجهة للحركة داخل النصوص الطويلة نسبيا. فوجودها نصا قائما بذاته يجعلها مرتبطة بالتأمل والترميز والتوجه الفكري غير المحدود بزمن، لأن الإدراك المقدم يتمّ بناؤه على أزمنة مندمجة. ففي هذا التوجه الكتابي- وبعد تخليه لطبيعته عن الزمني والسردي المتنامي- يصبح المعرفي والإدراكي حاضرا في بؤرة التركيز، ويحلّ الثبات والحفر الداخلي محل الحركة السردية والتنامي السردي.

        يتجلى ذلك التوجه في مجموعة من القصص مثل (عبث)، و(صدفة)، و(شرك)، ففي هذه القصص وغيرها ليس هناك قصة بالمفهوم المعروف والمحدد، ولكن هناك تأمل لمواقف أو لموقف خارج التأطير الزمني، وهناك ترميز وإشارات متوازية، بالإضافة إلى فكرة التنكير في العناوين، فكأن الكتابة من خلال هذا التنكير تمثل إعادة شحن للكلمة بدلالات جديدة ليست معهودة أو مؤسسة.

        وتنتج هذه الكتابة مجموعة من السمات، أهمها سمة التغييب، وليس المقصود التغييب الخاص بالنمو السردي الذي يتجلى حاضرا بشكل واضح، وإنما المقصود تغييب كل ما يكشف عن ملامح البطل أو الأبطال، فالشخصيات في هذه القصص يتمّ تغييبها، لأنها ليست إلا أدوات أو إشارات لحمل الفكرة التي تتحرك كل مكونات السرد للتأسيس لها ولوجودها. ففي قصة (شرك) تتجلى القصة مرتبطة بشخصين(رجل) و(أنثى) دون تحديد اسم لهما، لأن النزوع الكتابي لا يرتبط بهما، ولكنه يرتبط بالشرك البشري المصنوع بتخطيط واضح من القسيم الأنثوي، والشرك القدري الذي يهشم وجوده، ويفقده مرتكزاته، فتحدث إزاحة وخلخلة بين شركين، ويصبح للأخير الوجود المهيمن.

        إن الإعلاء من قيمة المعرفي والإدراكي على حساب السردي، سواء في المقدمة التجهيزية أو في الوقفات الموجهة داخل متن القصة، أو في وجوده نصا قائما بذاته، إعلان عن التخفي خلف نسق موضوعي، لا يكشف عن وجود ذات محددة، لكنه يكشف عن وجود نسق جمعي متورط بتلبسه وتداخله بنسق موضوعي عام، ومن ثم تبدو آلية من آليات التواري، والابتعاد عن الظهور والفعل. وتتساوق مع هذه الآلية وإن كانت تزيد عنها في الأثر في نفي ارتباط النص بذات محددة ومتعينة، آلية أخرى تتمثل في السرد التتابعي المتوالي والمتوازي لأصوات عديدة. وقيمة هذه الآلية تتمثل في تهشيم المركزية السردية وجرح البنية المغلقة بواحديتها، ففي السرد التتابعي المتوازي من خلال أصوات عديدة يعمل كل صوت ضد الآخر، ويهشم منطلقاته ارتباطا بمساحة تكوين وثقافة وتوجه كل صوت من الأصوات السردية.

        ففي قصة (الحدث) هناك تغريب ناتج عن هذا التعدد، وناتج أيضا عن عدم وجود مرتكزات دالة كافية تكشف عن هذا التعدد والتنوع، ولن يتم الكشف عن ذلك إلا بالإنصات للبنية وتحول الضمائر السردية، والوعي الخاص بمكان كل صوت سردي داخل الباص. ففي هذه القصة هناك أربعة أصوات سردية تتابع مقاربة الحدث بشكل متوال، بداية من السائق، ومرورا بالسارد الأول الذي يجلس خلف السائق، والسارد الثاني الذي يجلس في منتصف الباص، وانتهاء بالسارد الأخير الذي يجلس في الصف الأخير، وكل واحد من هذه الأصوات يقدم رؤية محددة لحدث وحيد، من خلال الصيغ الكلامية والقولية لكل سارد منهم.

        فهذه الأصوات تقدم سردا يعاين أو يقارب حدثا وحيدا، ارتباط الطفل والطفلة، وقدرة هذا الطفل في أن يقوم- لتخلصه من محددات العرف الاجتماعي والمعرفة والإدراك المرتبطة بالنمو العمري- بأفعال محبوسة ومقموعة داخل كل واحد منهم. في سرد كل واحد منهم للحدث تتجلى التباينات والتكوينات الثقافية والاجتماعية والعلل المصاحبة لكل صوت، فالسائق يراقب وينطلق من سلطة، والسارد الأول يراقب، ويتمنى أن يكون له طفل ذو جسارة على الفعل مثل هذا الطفل، خاصة في ظل وجود بنتين له، والسارد الثاني- انطلاقا من تكوينه الثقافي الأقرب إلى رجال الدين والمتخصصين في اللغة- يقدم سرده من خلال الاستناد إلى طريقة الطفل في نطق اسم الطفلة (مريم) وتنغيمه بطريقة خاصة، محتشدا بثقافة لغوية عن جهاز النطق والكلام والأصوات وأساليب التلاوة والإنشاد، أما السارد الأخير- الأقرب إلى المتحرش، حيث يجلس في الصف الأخير لمعاينة أجساد النساء- فنراه يقارب الحدث انطلاقا من تكوين نفسي يرتبط بالنقصان في معرفة القسيم الأنثوي معرفة مستوية ومعتدلة، فيتحول سلوكه إلى العنف.

        إن كل واحد من هؤلاء يسدل في سرده لغة وتوجها مختلفين عن الآخر في الألفاظ وفي النزوع الشخصي، وربما تجلى الاختلاف في اللغة بشكل واضح في سرد السارد الثاني الذي يكشف عن بنية جاهزة تراثية للاحتماء يلوذ بها في لحظة المواجهة. كل هذا التعدد يكشف عن فاعلية المثال الذي يعدّ منطلقا أساسيا في قصص المجموعة، ففقدان المثال أو المرأة الاستثناء يحدث زلزلة لبعض الشخصيات، فلا تستطيع أن تقارب الحياة بشكل طبيعي، فيحدث نتيجة لذلك هذا التعدد والتوزع في تشكيل صور الشخصية ومراياها، فالتعدد معناه عدم الارتكان أو الرضا بصورة وحيدة، لأنها تمثل وجودا جزئيا، لا يستطيع أن يهب الذات الهدوء والاتزان.

        وإذا كان هذا التعدد موجودا في البنية السردية للقصة فإن الانتباه إليه لن يكون سهلا، خاصة إذا كان التحول من سارد إلى سارد يبنى على الكلمة الأخيرة في فضاء السرد السابق. وهذا يشير إلى أن هذا التعدد بالرغم من تحققه مشدود إلى واحدية سردية، تستطيع أن تقدم مرايا متباينة لذات الحدث، ووجهات نظر متشابكة ومتداخلة لحدث إنساني وحيد، حدث يهشم المرتكزات وينبه إلى العلل والنواقص التي تصاحب الذات، وتجعلها منتبهة لذلك النقصان، وتعبر عنه بطريقة فنية متوارية بآلية التعدد.

        هناك أيضا في قصص هذه المجموعة آلية فنية مشدودة لسردية الفصام المبنية على قطع خطية السرد ونموه، فقطع هذه الخطية النامية ربما يتمّ في بعض الأحيان من خلال الحكايات المصاحبة التي تحمل نوعا من التشابه بين منطق السرد الأساسي وحركته، ومنطق الحكاية في إطارها العام. فالسرد في قصة (فصام) قائم على الفاصل الزمني الكبير بين عمر البطل وعمر المرأة، وهذا الفارق يتجاوب معه الحكاية المصاحبة التي تشكل خيطا سرديا له استقلاليته المتمثل في الفارق الزمني بين عبدالستار المعداوي وزوجته، ذلك الفارق الذي يكفل لقصة البطل في السرد الأساسي النامي مشروعية التجلي والحدوث والتحقق.

        وقد تتمثل الحكاية المصاحبة في حوار دائر- في القصة ذاتها- بين شخصين في الباص، يستمع إليه السارد الفعلي في النص، فالمتأمل لهذا الحوار يدرك أنه حوار عادي، ولكنه- نظرا لطبيعته ومدار اهتمامه- يكون حاسما في الاختيار، وفي تبرير جنوح الذات لاختيار ما إذا لم تصل لنموذجها أو تمثالها الأنثوي، من خلال جنوحها إلى التوجه النقيض أو المقابل، والارتباط بأي امرأة، يجسّد ذلك التوجه قول أحد المتحاورين في رده على دهشة صاحبه من سلوكه( عندما لا تجد حبيبتك، اذهب إلى أي امرأة أخرى، أول امرأة تقابلها في الطريق، يكون في صدرها الرغبة إلى صدر رجل). فهذه الجملة التي ينقلها السارد الأساسي على لسان شخص يحاور صديقه في المقعد المجاور مهمة في التعبير عن طبيعة الذات في تفلتها من المسئولية عن الفعل، وإلصاقه بآخرين مشابهين، ومهمة أيضا في تبرير الاختيار بين مثال متعال وواقع معهود ومعروف ومبذول، فتحدث الحركة المفاجئة والتوحد في خطاب السارد الأساسي، في طريقه لمقابلة المرأة/ المثال مع خطاب الشخصية المتحاورة، فيحدث التحول والتوحد في الخطاب، وكأن الشخصين الأساسي والفرعي قد تحولا في لحظة المهاية إلى صوت واحد في قوله في آخر جملة في القصة (المنزل الثالث من الطريق الدائري يا أسطى).

         إن التوحد في الجملة الأخيرة بين السردي والمحكي يكشف عن أن التعدد في الخيوط السردية في القصة الواحدة، أو في الحكايات المصاحبة، ليس إلا آلية للاحتماء تنتهجها الذات لإسدال نوع من الموضوعية على الاختيار، ولتفكيك حدة المسئولية المباشرة عن الفعل، وإلصاقها بآخرين يشابهونه في القلق، وفي فقدان الحلم والمثال على نحو ما يمكن أن نرى في قصة (مساحة السلالم)، حيث يطل التعدد والحكايا المصاحبة وجوها عديدة لذوات متشابهة فقدت بوصلتها.

المتخيل النموذجي وخلخلة اليقين

        يتشكل اليقين من الثبات، ومن تقارب المتخيل النموذجي وارتباطه واندماجه بالواقعي، والذات الإنسانية في تشظيها وفي تعدد وجوهها تحاول من خلال كل ذلك أن تعيد لهذا اليقين وجوده، وتعيد تشكيله من خلال آليات تحفظ لها اتزانها واستمرارها. ولكن هناك حوادث لا تصلح معها كل هذه الآليات، ولا تنتهي بتقدم العمر، ويظل أثرها باقيا وفاعلا.

        القارئ المتأمل لقصص المجموعة في كل تجلياتها وآلياتها الإبداعية، من خلال التعدد السردي المتوازي والمتوالي، ومن خلال الحكايات المصاحبة، والوقفات المعرفية والإدراكية، سواء جاءت بوصفها جزءا تمهيديا لعملية التجهيز الدلالي، أو جزءا من السرد للقيام بعملية التوجيه، أو نصّا قائما بذاته يدرك أن هناك حدثا ما، له فاعلية وأثر كبير في إحداث هذه التداعيات البنائية التي تحاول أن تكفل للذات وجودها، وأن هناك خللا ما أصاب منظومة الإدراك، فجعل الذات تنقسم داخليا فتتعدد وجوهها، ويتمثل ذلك الحدث في فقدان المرأة / المثال أو المرأة / الاستثناء.

        المرأة المثال تتجلى في قصص المجموعة بشكل لافت بداية من القصة الأولى (فصام)، فتأتي وكأنها تمثل المحرض الأساسي والمثير الفعلي للكتابة، ولفعل الفصام والتشظي من حركة الذات انطلاقا من استغراب حالها، إلى تأمل نفسها بوصفها وجودا موضوعيا وحيزا للتأمل من خلال استيلاد مسافة فاصلة بين الذات وموضوعها. ويمكن تلمس ملامح ذلك المثالي الأنثوي المقدس من خلال بعض الألفاظ الدالة التي يمكن أن تحيل الأنثوي المعهود، إلى كائن يندّ عن التصور الواقعي المعهود، فنجد القصة تقول على لسان السارد العليم( كان يمشي إلى جوارها كالظلّ الخائب الذي يتبع صاحبه دون شخصية تذكر). وهناك أيضا إشارات دالة في تلك القصة إلى غياب الجسدي وحضور الروحي المتعالي بالإضافة إلى استخدام ألفاظ لها ظلال من القداسة، مما يشير إلى تحوّل هذه الأنثى إلى تمثال له قداسته، فحين يتحدث عن الشارع القديم الذي كان يجمعهما يشير إلى ذلك الحضور إليه بوصفه حجّا، أو يقول في نهاية القصة (كان لها دائما حضور الأنبياء).

        وبهذا يظل الوجود المثالي حاضرا، ولكن قيمته تظهر أكثر جلاء في تحوله من الدنيوي إلى المقدس، على نحو ما يمكن أن نرى في قصة (ذاكرة الموتى)، فقد تحوّلت المرأة المثال إلى شبيهة بالولي، بما له من قداسة، (فقد اتخذت من ضريح الولي قبلة، ودارت في الجهات الأربعة، واتخذ منها قبلته، ودار في جهاتها، كانت تتفحص المكان من كل زاوية)ـ ويقول في نهاية القصة( دارت حول الإمام، ودرت حولها أثناء دورانها).

        هي قصة ترتبط بمقاربة المثالي الأنثوي، حتى لو كانت البطلة والبطل السارد من خلال ضمير الغياب، ليسا كائنين متجسدين، بل يمثلان روحين يتحركان وفق ذاكرة قديمة، ولكن هذه الذاكرة القديمة تصرّ على إثبات هذا الانحناء من البطل إلى المرأة من خلال صفات مسدلة كاشفة عن الدوران في إطارها، ودورانها هي في إطار آخر. ربما تشير القصة إلى الصورة المقدسة لهذا النموذج الأنثوي الذي يطلّ بشكل لافت، ليس في هذه القصة وحدها، بل يطلّ فاعلا في قصص أخرى، وبتنويعات مختلفة، حتى يشعر القارئ في أحيان كثيرة أنه أمام محرّك أساس للكتابة وللإبداع.

        إن تشكيل هذا المثال الأنثوي المقدس في قصص المجموعة يأتي خارقا لكل الأطر الحامية والبطانات الفاصلة التي تتدثر بها الذات في وحدتها، بحيث يبدو تجلي هذا التشكل شبيها بالريح التي تقلع كل شيء من جذوره، وتفقده مرتكزاته. ففي قصة (الرابع عشر من برومير) التي حملت المجموعة اسمها نجد الاشتغال على شهور السنة حسب تقويم الثورة الفرنسية، وقد جعل طبيعة هذه الشهور سببا لتأجيل التداخل والانسجام وفق التفكير المنطقي من خلال الوقوف عند دلالات هذه الشهور المرتبطة حتما بدلالات الفصول، وانشداداها إلى مؤسس جاهز في الأدب الأجنبي والعربي.

        يكشف حضور اللازمة المكررة كثيرا في القصة عن مساحة التدثر بحاميات الترفع والابتعاد، فاللازمة أو الجملة المكررة (لذا لن يحدث أبدا) مع كل شهر من شهور تقويم الثورة الفرنسية تشير من جانب إلى قوة الأطر الحامية وامتداد وجودها، ومن جانب آخر تكشف عن تبرير فعل التأجيل في كل شهر من هذه الشهور، بالرغم من تعدد الأسباب. لكن هناك نماذج خارقة لكل مساحات التدثر والابتعاد، فتخترق كل الحمايات والسدود التي تحتمي بها الذات، فتصبح مهيمنة ومسيطرة، ومن ثم يصبح التسليم من الذات حاضرا.

        مع هذه النماذج أو تلك الحالات يأتي التعبير كاشفا عن المغايرة والاختلاف، يقول في القصة عن واحدة منهن( ولأنها واحدتهن أذهله أن يراها أطول منهن جميعا، رغم أن هناك من هي أطول منها، ربما كان يرى عنقها طويلا جدا، عنقها يشبه ساق النباتات التي تنمو في الشهر السابع(جرمينال) شهر الإنبات). ومن خلال هذا التعبير المغاير تكشف القصة عن سقوط الحواجز المصنوعة والمؤسسة، استنادا إلى نص لا يخلو من قداسة. فالقصة تنقل هذه القداسة من مجال إلى مجال، ليصبح شديد الصلة بمتعين أنثوي محدد موجود وملموس. فمن خلال الاستناد إلى موقف البحر للنفّري تقول القصة (رأيت المراكب تغرق، والألواح تسلم، ثم غرقت الألواح).

        فمن خلال النقل والإحالة من مجال إلى مجال يبدأ المتخيل النموذجي الأنثوي في التشكل، ويكشف عن ذلك أمران: الأول البحر بدلالته الزرقاء المتعالية لارتباط لونه بالسماء، بالإضافة إلى مائه المالح الذي لا يروي، وامتزاج هذين الأمرين بالجملة التي تشكل لازمة لا تكفّ عن التكرار(لذا لن يحدث أبدا).

        لكن قيمة هذا المتخيل الأنثوي النموذجي في المجموعة في ارتكانه في الخلفية، وبالرغم من ذلك تظهر قدرته الفاعلة في الوجود في معظم القصص على أنه نواة محركة للتوجه وللعقل في تلقيه وتعامله مع الأشياء، فنراه يطل كثيرا بوصفه محركا، وإن كان متواريا، ولا يتمّ الكشف عن وجوده إلا بتأمل طويل. فتأمل قصة (الحدث) يعيدنا بشكل خاص إلى جملة يمكن أن يتمّ تلقيها بشكل عرضي في قصة (فصام)، حيث تقول هذه القصة عن بطلها (بالضبط عاد إلى طفولته، إلى براءته، إلى جهله الارتباط بأنثى).

        فهذه الجملة تبرّر في قصة (الحدث)، لماذا كان موقف الطفل مع الطفلة ونزوعهما الطبيعي نحو الارتباط حدثا له ذلك الاهتمام والحضور، ويبرّر في الوقت ذاته هذه الرؤية السردية متعددة المناحي في المقاربة والمعالجة. فكل خيط سردي من الخيوط المتاحة في القصة، يقدم- فوق تفتيته لفكرة الواحدية السردية- جانبا من جوانب التكوين الإنساني، وكل جانب يزاحم الآخر ويهشمه، فهذا التعدد تعدد إدراكي معرفي مشدود للنواهي والأعراف بفعل النمو العمري، وهذا يباين الفطرة الأولى التي يمثلها الطفل والطفلة.

        التكوين الإنساني مشدود إلى قطبين: مثالي وواقعي في التعامل مع المرأة، فسيطرة النمط المثالي ناتج عن غياب المعرفة التجريبية، وناتج عن خلل في الإدراك لطبيعة المرأة في نزوعها إلى الرجل، ومع سيطرة الواقعي هناك معرفة تجريبية، وأي غياب لقطب من القطبين يقتضي بالضرورة هيمنة للآخر، فحضور الواقعي يؤدي إلى غياب المثالي وجودا واقعيا، وإن ظل فكرة تعلن عن وجودها في لحظات، وحضور المثالي يجعل الواقعي في مرتبة أدنى، حين يوضع في نسق مقابل.

        يتجلى ذلك واضحا حين نعيد قراءة قصة (مساحة السلالم)، فهناك بالرغم من من اختيار التعلق بالواقعي، فإن المثالي المتخيل يظل حاضرا، فبالرغم من أن هناك إشارة عملية لاختيار الواقعي الذي تجلى بشكل واضح وصريح في قصة (فصام)، نجد أنه طريقه إلى المرأة الواقعية الذي تكرّر سيره إليها، حاملا قالبي الشيكولاتة، لا ينسى المثال. فهناك تأسيس رمزي من البداية لبناء الفارق بين قالب الشيكولاتة التي لا يدرك طعمها، إشارة إلى النموذج الأنثوي المتعالي، وقطعة العجين (مرمطة الكعك) على حد تعبير القصة في بدايتها، للإشارة إلى المتاح الواقعي والمبذول، ولتعميق الهوة بين ما يتحقق واقعا، وما يظل متعاليا ومترفعا عن التحقق.

        يشكل المتخيل الأنثوي المتعالي حضورا لافتا، ومؤثرا وفاعلا وإن كان متواريا، فهناك محاولة في عملية الكتابة لتغييب أثره، أو لطمس معالمه من خلال الآليات الكتابية التي أشرنا إليها من خلال التعدد أو الحكايا المصاحبة، ولكنه بالرغم من ذلك يطل برأسه في لحظات كاشفة عن الوجود المتواري الفاعل. ويمكن تلمس أثر ذلك في وقوفنا عند قصة (صدى الذبول)، فهي قصة تشير إلى فاعلية الحدث الذي يحاول الكاتب تغييب حضوره من خلال الاتكاء على نسق موضوعي يغيّب الحادثة.

        ففي (صدى الذبول) لا يمكن الحديث عن حكاية ذات بداية ونهاية، وإنما تستند إلى سرد معرفي بشكل عام من خلال سرد موضوعي لا يرتبط بشخص، سرد يشير إلى ضرورة التخلص من البقايا والكراكيب، لأنها في منطق القصة كاشفة عن الموت والثبات، يتخلل هذه السردية المعرفي بقايا ذاكرة من اتصالات هاتفية بين رجل وامرأة. القصة تكشف عن منطق الإنسان، بل عن منطق الحياة في ذبول الذاكرة أو ذبول البقايا التي تظل عالقة بالروح وتشوّش حركتها إلى أن تبدأ بالتلاشي تدريجيا.

 

 

       

       

Saturday, February 19, 2022

السردية النقدية

 السردية النقدية

طبيعة المصطلح والتجليات

عادل ضرغام

كان لاشتغال وتفعيل مصطلح الخطاب دور مهم في إعادة النظر وتقليب الأشكال الإبداعية والعلمية وفق تحديدات هذا المفهوم، لأنه أعاد- أو جعل الباحثين يعيدون- اكتشاف مكونات واستراتيجيات كل خطاب داخل كيان واسع، بحيث يبدو هذا الكيان الواسع أشبه بالإطار الذي يحتوي ويستوعب كل التحويرات التي يوجدها ويؤسسها كل شكل كتابي ارتباطا بهذا الكيان الواسع من ناحية، وارتباطا بخصوصية منطلقاته وأسسه التي يؤسسها في حركة مستمرة من جانب آخر.

ولم يعد القارئ يشعر بالدهشة داخل الحيز الأدبي بتجلياته العديدة مطالعة مصطلحات مثل (الخطاب الروائي)، أو (الخطاب الشعري)، أو (الخطاب النقدي)، فمثل هذه المصطلحات تشير إلى فاعلية الخطاب، وفي الوقت ذاته تشير إلى تلوينات وتحويرات الأشكال الكتابية، سواء أكانت مشدودة للفنون، أو مشدودة إلى المناحي العلمية. يتوجه اهتمامنا إلى معاينة ارتباط الخطاب النقدي بالسرد، أي بوصفه خطابا سرديا، يمارس دائما تأسيس مرتكزات وتحولات انطلاقا من نظرة إطارية للبناء العام، وارتباطا بنظرة مجهرية تحاول التركيز على النقلات والتحولات الجزئية التي تحدث داخل كل كتابة نقدية.

هناك بالضرورة آثار ونتائج سوف تترتب على هذا التوجه الذي نادرا ما يتمّ الالتفات والانتباه إليه، لأن استناد الخطاب النقدي على الآليات السردية يتكوّن في شكل متوار غير ملحوظ. فالبحث في هذه الجزئية لدى النقاد سوف يكشف عن جانب مهم يرتبط بعقل الناقد وثقافته ومكوناته وتوجهاته المذهبية والأيديولوجية والفنية، ويكشف عن الكيفية التي يؤسس بها وينضد حججه في إثبات مشروعية تأويله، وتنمية هذا التأويل وفق استراتيجيات للحركة والتحول، ووفق الوظائف التي يحددها في إطار فكرة التواصل مع القارئ أو المتلقي.

واعتبار الكتابة النقدية خطابا سرديا سوف يؤدي بالضرورة إلى كشف المرتكزات الأساسية التي يستحضرها الناقد للوصول إلى أهدافه، والكشف عن العقل النقدي وطبيعته وتوزعه إلى انشداده إلى المؤسس القديم من خلال فاعلية طبقات المعرفة المترسبة في ذهنه، أو إلى تطلعه نحو المعاينة النصية المشكلة آنيا محاولا التخلص من كل استلاب يشده للخلف. أما الأهداف التي تحاول الكتابة النقدية الوصول إليها من خلال الاحتماء بآليات السرد بوصفها وسيلة للغايات فهي- كما يشير ستيفن تيفرسن- جدلية وإقناعية وتحفيزية.

واستحضار هذه الوظائف السابقة لا ينفي أن هناك مغايرة واضحة في المقاربة النقدية التي تبحث في الوظائف الجمالية، وفي المقاربة النقدية المتوسلة بالسرد المهمومة بوظائف إقناعية جدلية، فالأولى ترتبط بالتأمل الكاشف عن الثبات، والأخرى ترتبط بالجدل المبطن الكاشف عن الحركة. فالسرد في الأساس قائم على الحركة أو التحول أو الانتقال أو التغيير، وأعتقد أن هذا االفهم البسيط يمكن أن يكون فاعلا في الاشتغال على سرد النقاد في إطار فكرة التحول. فالانتقال من سياق إلى سياق أو التحول من جزئية معرفية إلى أخرى جزء أساسي من السرد النقدي.

إن النظرة إلى الخطاب النقدي على أنه خطاب سردي تستحضر مجمل الوظائف المشدودة للتواصل والتأثير في القارئ، من خلال أساليب وآليات السرد التي يتذرع بها الخطاب النقدي. فالكتابة النقدية في ظل ذلك الفهم تستحضر من الوسائل ما يجعل كتابتها مقنعة من جانب، ومؤثرة من جانب آخر في القارئ أو المتلقي، خاصة في الجزئيات التي يتمّ الاختلاف والتنازع حولها. وعلى هذا الأساس فإن الخطاب النقدي- حين يتمّ اعتباره خطابا سرديا- يفترض وجود تحوّل وتحوير في طبيعة السرد نفسه، فهذا السرد لن يكون- كما نجد في الفنون السردية المعهودة- مشدودا إلى الشخصيات والآليات المستقرة، ولكنه يأتي مشدودا إلى تجل خاص توجبه وتحدد ملامحة طبيعة الخطاب النقدي، فهو تجل جزئي تدريجي مرتبط بحركة المعنى النامية في النص. فكل شيء في الثقافة- على حد تعبير ميكي بال- له شكل سردي أو يمكن تفسيره بوصفه سردا.

السردية النقدية

لكي نحدد دلالة مصطلح السردية النقدية نحن بحاجة إلى توسيع مفهوم السرد، ليصبح مرنا مشدودا ومرتبطا بالغاية التي تحاول الكتابة النقدية الوصول إليها. فالسرد في الخطاب النقدي لا يبقى على حاله المعهود، فالحركة أو الانتقال لا تتعلق بشخوص ولا أحداث، ولن تكون واضحة تمام الوضوح، بل على العكس ستتولّد هناك ظلال من الغموض ترتبط بذلك الشيء الذي يراد تجذيره داخل مجال بعيد عنه للوهلة الأولى. ولهذا يحلّ مكانها انتقال من فكرة إلى فكرة في سياق التواصل والإقناع للقارئ أو المتلقي. فالناقد في كتابته لا يتعامل مع حدث أو شخصية، وإنما مع أفكار أو مناح معرفية يؤسس لوجودها، أو يضرب بعمق في مرتكزاتها ليقوّضها.

يصبح استخدام السرد في الخطاب النقدي استراتيجية تحليلية، فاختيارات الناقد- سواء في حركته وارتداده إلى فاعلية وحضور أنساق قديمة أو أطر فنية أو في تطلعه لمعاينة نصه قيد التشكل- تصبح جزءا من تجل سردي له مشروعيته. فدراسة الخطاب النقدي- بوصفه سردا كما يقول ستيفن تفرسن- ترتبط بمعاينة العناصر السردية المتأصلة أو معاينة الأفعال التي تهدف إلى الإقناع أو غير ذك من الغايات المحددة.

في النقد الأدبي يأخذ مفهوم السرد معنى مختلفا يتأسس وفقا لنوعية الكتابة وطبيعتها الحاكمة والمهيمنة، فالنقد أقرب إلى الخطاب الشارح المشدود والتابع إلى خطاب آخر، ومن ثم فكونه خطابا شارحا يمارس تأثيرا في استراتيجيته السردية الخاصة ومنطلقاته في إثبات مشروعيتها من خلال التأكيد عليها. فالسردية النقدية موزعة بين منطقين: منطق النص الذي يشكل مجال الاشتغال وبنيته، وما يوجده من إحالة إلى سرديات سابقة، ومنطق الناقد الذي لا يقارب النص وهو خال من ثقافة وتكوين خاصين، ولكنه يقاربه وهو مملوء بقراءات سابقة، وقناعات فنية مؤسسة، ومرتكزات أيديولوجية لها تأثير بالضرورة في آلية الاقتراب والحركة، وفي اختيار- أو إهمال- الجزئيات التي يستند إليها لتحبيك مقاربته النقدية. ومن هنا تتشكل الخصوصية السردية في الكتابة النقدية، بكونها مشدودة إلى ثنائية أساسية.

يتشكل طرفا الثنائية من المؤلف بنصه وبنيته المتشكلة آنيا لحظة القراءة، حيث يظل حاضرا وليس بحاضر في الآن ذاته، والناقد الذي يمارس سطوته من خلال التغييب والتركيز في تشكيل سرديات عديدة تساعده في الدخول إلى عالم النص من خلال انعطافات وارتدادات محتمية بوسائل تحاول أن تغيبها وتمنعها من الظهور، ولكنها تتجلى عند التأمل الدقيق، فيستطيع القارئ أن يكتشف هذه الوسائل بمنطلقاتها المتوارية مع كل حركة، وكل تقدم، ومع كل ارتداد، ومع كل محاولة تقوم بها الكتابة النقدية لتوجيه نمو الفكرة محتمية بالمؤسس السابق، أو متطلعة لأفق جديد تنحت في تشكيله.

فالنقد الأدبي في سمته السردي لكونه خطابا شارحا ليس أحاديا في التوجه أو في الحركة في الانتقال من جزئية إلى أخرى، ففي الكتابة النقدية هناك محاولة للكشف عن الآلية أو الكيفية التي كتب بها النص مجال الاشتغال، وكيفية تشكل أجزائه ومنعطفاته، فهو خطاب تابع في توجهه العام، وتابع أيضا في متابعة أسس سردية سابقة التجهيز، لكنه فقط يحولها في تنقلاته وحركته البطيئة إلى حركة أشبه بالحركة الفكرية التي تأتي معنية بطريقة تشكل الأفكار وتمددها تناسب طبيعة التحوير حين يتمّ نقل الاشتغال من مجال إلى مجال آخر، فتتحول طبيعة الحركة من شخصيات ملموسة إلى أفكار مجردة يشكل لها الناقد إطارا مرنا لحركتها أو توجهها. وإذا ظل الناقد محتميا بهذه التبعية، دون أدنى محاولة للتعاظم لتجذير دور معرفي سابق للنص، أو على الأقل يتحد معه أو يجاوره على بساط واحد، سينتج سردية لاهثة تظل تتابع حركة النص موضوع الاشتغال، ولن يكون لها همّ سوى الدوران في أفقه، دون مساءلة أو مقارنة مع سابق أو لاحق.

السردية النقدية تستند إلى وسائل خاصة في بحثها عن تجليات جديدة، تجعل الكتابة النقدية مساوية في حركتها وفي حفرها للكتابة الإبداعية من خلال البحث عن طرق جديدة لمقاربة الفكرة في تجليها على نحو مميز. فالكتابة النقدية بناء مواز للكتابة الإبداعية، بالرغم من كونها كتابة نابعة مشدودة إلى نص تمّ إنجازه والانتهاء منه، ولكنها بالرغم من استنادها إلى هذا المنجز تبني وتؤسس إطارا خاصا في أطره الفكرية والمعرفية، وهذا البناء له آلياته السردية في التشكيل من خلال محاورات الحركة للانطلاق إلى الأمام والخلف، وفي حركتها تؤسس بنى سردية بانفتاحها على بنى دلالية مختزنة، ويبدو حضورها مشدودا وموزعا بين مؤسس قديم، وجديد في طور التكوين المستمر.

ويمكن في ظل هذا التوجه أن نتناول المقاربة النقدية- خاصة المقاربة التي تحاول الابتعاد عن أسر النص موضوع المقاربة، وتختطّ لنفسها إطارا موازيا يتحرك فكريا في حدود النص ومكوناته- كتابا كاملا أو بحثا أو مراجعة نقدية -على أنها بناء يتوسل بالبنى السردية والحجج المستمرة لتأسيس منظوره الخاص، بداية من العنوان الأساسي للمقاربة أو العناوين الفرعية أو عناوين الفصول. يبدو العنوان الرئيسي الموجه لمسار الحركة السردية، لأنه بوجوده في موقعه يصبح مؤشرا مهما كاشفا عن المنحى الفكري الذي يحرك وينمط كل الحيل والوسائل التي تحاول المقاربة ارتيادها.

فالعنوان الرئيسي- وفق التنضيد السردي للكتابة النقدية- يمثل أفق الحركة العام الذي تتوجه إليه وتتشكل في إطاره، وكل الكيفيات التي توجد في نص الخطاب النقدي مرتبطة به ومنطلقة من حدوده. وتبدو الفصول أو العناوين الجانبية مرتكزات أساسية وفقا للتوجه النابع من العنوان الأساسي، فقد تكون ارتكاسية لنفي مؤسس سابق، وقد تكون تطلعية لتأسيس ملامح ما زالت في طور التشكل والتكوّن، وقد تجمع بين التوجهين انطلاقا من فكرة التواصل المرتبطة والمشدودة لكل خطاب على تنوّع وتعدد أشكاله.

فالعنوان الفرعي أو الجانبي أو العنوان الخاص بالفصول ينطلق من إطار عام مقترح يتمثل في العنوان الأساسي، ووظيفته الفعلية تأمين وتأكيد التوجه المقترح من خلال حركة جزئية نحوه، ولتأمين الفكرة والإلحاح على مشروعية الفرضية الموجودة عنوانا للمقاربة، والعمل على مساءلة المؤسسات السابقة، لتجذير توجهه الجديد، في الحركة نحو هدفه، ومن ثم يمكن النظر للعنوان الجانبي أو عناوين الفصول على أنها بنى أو حركة لها استقلاليتها، ولكنها منضوية داخل مسار أكبر يكيفها، تتحد به أو تنفصل عنه في إطار جدل متواز، لا يكفّ عن الإشارة والارتباط بمناح فكرية جزئية، فيصبح -والحال تلك- جزءا من مكوناته ومشيرا إليه وكاشفا عنه.

في إطار جدل التشابه والتباين أو التجاوب والتنافر بين العنوان الأساسي والعناوين الجانبية وعناوين الفصول في إطار التقليم والتقويض والبناء، فنحن أمام حركة سردية قد تنمو في اتجاه واحد من البداية للنهاية، وقد تنمو من خلال انعطافات متباينة، لأن السرد النقدي- مثل أي بنية سردية- ليس أحادي التوجه، لأنه في أحيان ليست قليلة قد يكون مهموما بتقويض نمط فني أو فكري، ومن هنا يحدث التباين أو الخروج الجزئي لتأسيس بناء كلي لا يخلو من تجاوب أو تنافر.

وإذا كنا في الجزء السابق قد أشرنا إلى الكتل السردية الكبرى في الكتابة النقدية من خلال عناوين الفصول، فإن الجزئية الأكثر الأهمية هي الجزئية المرتبطة بالسردية النقدية المتوارية، فهي العملية السردية غير الظاهرة، لأنها تنبع من التوجيه المستمر للفكرة داخل كل فصل من الكتاب، أو داخل كل جزء من البحث. فالكتابة النقدية داخل كل فصل أو داخل أي عنوان فرعي سردية من نوع ما، لأنها مزدانة بكل الحيل التي يستند إليها الناقد في ممارسته النقدية، وفي التأسيس لحركته، وطبيعة انتقاله من فكرة إلى أخرى، سواء تدثر بالذاتي الشخصي فتتشكل سردية قائمة على المعايشة والمعرفة بالمبدع في فترة من الفترات، وكأن الكتابة النقدية باستنادها إلى سردية المعايشة والتجربة تمارس نوعا خاصا من الاصطفاء لخطابها.

فسردية المعايشة والمعرفة- معرفة الناقد للمبدع أو للمبدعين- تؤدي إلى إضفاء نوع من الموثوقية في مقابل خطاب نقدي- أو خطابات- لا يتاح له هذا القرب وتلك المعايشة، ومن ثم تأتي سردية المعايشة محاطة بهالة، وومملوءة بأحكام نقدية وتحديدات قارة لدلالات نصية دون اعتبار كبير لفاعلية البنية ودورها في تنميط الحركة، فسردية المعايشة في مقاربة النص الأدبي نقديا لا تنطلق من البنية، لأنها تحفل بتحديدات سابقة التجهيز، ومن ثم فدور البنية يصبح دورا مخذولا في مثل هذه السرديات النقدية، لأنها تقلل من عطائها التلقائي وتجعلها محصورة داخل الحدث الذي يدركه الناقد من معايشته للمبدع إدراكا خاصا.

الحركة هنا داخل الكتابة النقدية حركة سردية غير منظورة أو مدركة نهائيا، لأنها تتطلب وعيا بثقافة الناقد ومنطلقاته المنهجية والنظرية من جانب، وتتطلب وعيا بوظائف المقاربة النقدية وحركتها بين الإقناع والتأثير، ومن ثم فهذه الكتابة- في حركتها وسرديتها- تمارس توجيها مستمرا، يقلل من شعور القارئ بالحركة، وهذا يتطلب معاينة لكل كتابة، ولكل مقاربة على حدة، للوصول إلى مرتكزات الحركة ووسائلها السردية، ودورانها وتكرارها لدى ناقد محدد.

وهذا قد يوجهنا في معاينة مقاربة النقاد انطلاقا من سردية هذه الكتابة إلى النظر بشكل خاص إلى طبيعة الضمائر المهيمنة في تنوع المقاربة النقدية، وتشكيل أفقها السردي، فتتوزع إلى مقاربة نقدية لا تخلو من حضور الذات وفاعليتها، أو إلى مقاربة موضوعية، تضع- أو توهمنا بوضع- مساحة فاصلة من خلال إبعاد الذاتي وتأسيس الموضوعي اعتمادا على التغييب، مؤسسة حججها من خلاله، لإثبات مشروعية تأويله، وتنمية هذا التأويل، وفق مناح ومنطلقات قائمة على الارتداد، وعلى فعل المقارنة للإشارة إلى مساحات التداخل والاختلاف.

التجليات والمظاهر

النصوص الأدبية في العقود الأخيرة تحولت إلى نصوص غامضة ومبهمة في الغالب، تحتاج إلى مزيد من الاشتغال، وإلى تلمس المداخل التي يمكن أن تكون فاعلة في تمهيد أو تعبيد سبل الدخول إليها، وأعتقد أن الناقد يطل إلى النصوص الأدبية في البداية من خلال سرديات الذات المشابهة لسردية النص، حيث تتجلى أثناء القراءة عمليات إسقاط وانعكاس دائمين بين ما هو نصي وما هو ذاتي معيش.

وعي الذات حين يتعامل مع النصوص الأدبية، يستند إلى سردية متوارية، لا تتجلى بشكل مباشر وصريح، لأن الوحيد الذي يدرك حدودها ومنطلقاتها وتشعبها الناقد نفسه، ولكن يمكن الإحساس بحضورها في تناول النص وآلية تحبيك الكتابة النقدية، وفي الوقوف عند جزئيات معينة. فعدد كبير من إسهام النقاد- وخاصة النقاد التعبيريين الذين لا يلتزمون بالمنهج التزاما حرفيا- يستندون إلى تجارب الذات السردية في تعاملهم مع النصوص استنادا إلى تجارب ذاتية، وإلى حضور الذات ووعيها. وحضور الذات يأخذ أشكالا مختلفة، ربما يتجلى أولها في حضور ضمير المتكلم بوصفه خيطا ينظم حركة المعنى النامية في النص أو الكتابة النقدية.

وحضور الذات بسرديتها المتوارية لا ينفي الموضوعية، ولكنها موضوعية ممسوسة بقصص وحكايات لا نعرفها، ولكننا نشعر بدبيب حضورها وفاعليتها من خلال بعض الكلمات الدالة مثل (أعتقد)، و(أرى)، ويتحول وعيها في النهاية إلى وعي لا يستقصي البنية إلا بقدر اشتباك هذه البنية مع سردية ذاتية مختزنة.

وقريب من استخدام ألفاظ وتعابير كاشفة عن وجود الذات الناقدة بوعيها، يمكن أن نتلمس جانبا سرديا آخر، يتجلى في إطار نسق جمعي، حيث يستند الناقد فيه إلى سرديات مشترك إدراكي إنساني عام. تحيل الذات الناقدة إلى سردية مؤسسة في تناولها النقدي، لأن الفنون- بعيدا عن اختلاف أشكالها وأعراق منتجيها- تستند إلى مجموعة توجهات مثالية جاهزة مرتبطة بالنمط الإنساني العام في صناعته للقيم، خاصة حين يتعلق الأمر بمفاهيم مجردة متعالية مثل الزمن والعدل والحب والخير والجمال. فهناك سرديات جاهزة لهذه القيم، أصبحت بتكرار الإلحاح عليها أيقونات سردية تمارس دورها في تلقي النصوص، ويمكن أن نضرب مثالا على ذلك من خلال فكرة الزمن والتفسخ والتحلل الملازم لكل شيء، بداية من مسرحية روميو وجوليت حين قال عن مربية الأخيرة (إن أصابع الزمن اللعين قد أحاطت بخاصرة الظهيرة)، وكيف تمّ تناول هذه الفكرة بسرديتها في نتاج النقاد، وكيف حدث لها إحلال تدريجي لتؤدي دورها في تنميط نسق آخر يرتبط بالحب وليس بالزمن، فأصبحت دلالات الفصول دلالات قارة، مما جعلها تتحول إلى سردية جاهزة صالحة للعمل النقدي في التجلي الغربي والعربي.

هناك نمط ثان أو مظهر آخر من السردية يتمثل في المحكي السردي، فسرد القصص في الكتابة النقدية، لا يأتي عاريا من الدلالة، ولكنه وثيق الصلة بالإقناع والتوجيه نحو المنحى الفكري، ويتجلى ذلك واضحا في كتابات الجاحظ في محكياته ومرويات رسائله، فمن خلال هذه المحكيات التي تتسرب في هدوء، والحكي وحركته غير المنظورة إلى القارئ في صورة حكاية منقولة يستطيع أن يقوّض أنساقا مطبقة، ويعطي لغيرها مشروعية الوجود والتداول. فسرد القصص أو المحكيات في الكتابة النقدية يأتي وكأنه ممارسة حجاجية لا تكفّ عن التعرية والتوجيه نحو مشروعية الطرح الفكري الناتج عن اختيار قصة أو حكاية حيث يشكل منعطفا سيميائيا في هذه الكتابة النقدية، يمكن أن يدعم وجهة النظر في بناء توجه تأويلي محدد، أو تأكيد وإعطاء المشروعية لهذا التأويل.

ويقترب من سردية المحكي سردية المعايشة والمعرفة في تجليها الواضح، بمعنى أن يقص الناقد أثناء مقاربته النقدية شيئا عن تجاربه المشتركة مع المبدع ومعايشته له في فترات زمنية من حياته. وهذه السردية قد تعطي إحساسا بمعرفة مختلفة ذات خصوصية، لأنها أتاحت للناقد معرفة ومعايشة تجارب لم يعايشها النقاد الآخرون الذين لم يتعاملوا سوى مع النص مكتوبا، فالأول منفتح على معرفة قد تتيح له تأويل البنية من خلال الإحالة على الحوادث والسياقات الحضارية المولدة للنص، والأخير ليس لديه سوى بنية لا تحيل إلا إلى دلالات نصية.

سرديات المعايشة قد تحمل نوعا من السلطة، لأنها- بالرغم من كونها تقص حركة التأويل الحر التلقائي- تحمل نوعا من الاصطفاء والموثوقية والمعرفة. إن نظرة فاحصة إلى إسهام النقاد الذين ارتبطوا بمبدعين من خلال الارتباط بنصوصهم، وكأن هناك نوعا من التوحد في الصوت الشعري والصوت النقدي، تثبت مشروعية ذلك الفهم في انطلاقه من سلطة سردية المعايشة التي تحمل نوعا من اليقين بالفهم الدقيق أو اصطفائية التأويل الذي يمكن أن يكون محدودا، لأنه يحيل النص ليظل- وهذا ضد طبيعته- مرتبطا بحادثة أو سياق.

وربما تكون من الجزئيات السردية الفاعلة في منتج النقاد في ارتدادهم إليها لفهم النصوص، ولفتح كوى للولوج إليها، جزئية السردية الأسطورية، لأنها تحيل إلى بنية سردية جاهزة من جانب، وتحيل إلى أسئلة الوجود والتساؤلات المستمرة من جانب آخر. وفي تعامل النقاد معها ندرك أن هناك مساحات شاسعة للحركة والاشتغال، إما بالوقوف عند حدودها وطبيعة استخدامها في كونها تساعده على تصوّر النص وفهمه وفك حجابه، أو بالوقوف عند الفارق الحيوي في وجودها في إطار مادتها الخام البدائية، أو في إطارها النصي الذي يغيّر في طبيعتها ويحوّر في بنيتها. فالسردية الأسطورية في تناول الناقد ليست ساكنة، ولكنها متغيرة من نص إلى نص في تجليها طبقا للمناحي الفكرية، وللبناء النصي العام الذي يغيّر في طبيعتها، لأنها تصبح- في السياق النصي- بنية جزئية تتجاوب وتتساوق في تشكيل بناء نصي.

وثمة سردية قد يكون لها الحضور الأكثر أهمية في كتابات النقاد المعاصرين، وهي السردية المستندة إلى ذاكرة منفتحة وإلى ثقافة دينامية متحركة. فالذاكرة تحيل إلى الشبيه والنظير، وفي الوقت ذاته تحيل إلى المباين أو المغاير، وذلك من خلال التركيز على مجموعة التوجهات أو الفصائل الإبداعية التي تتشابه أو تتباين في منطلقاتها المعرفية بالرغم من اختلاف الأزمنة والسياقات الحضارية، فتصبح هذه السردية في حركيتها وانتقالها من آني إلى سابق من أهم الوسائل الفاعلة أو الحيل التي يتذرع بها الناقد لبناء نصه النقدي، وجعله إطارا مملوءا بالتشابهات والاختلافات والإضافات.

في سردية التشابه والتباين هناك مسافات زمنية فاصلة بين النصوص، وهناك سياقات متباينة، ولكن الثابت- في ظل هذه الاختلافات والتباينات العديدة- يتمثل في المناحي الفكرية التي تتجلى مع كل سياق بشكل مغاير. ويبدو عمل الناقد في ظل حضور هذه السرديات المتشابهة والمختلفة في آن ماثلا في معاينة مساحات الإضافة مع منجز كل سياق لتشكيل الفكرة.

في مثل هذه السردية يمكن التفريق أو الإشارة بين حضورين، الأول منهما حضور النصوص لكل شاعر أو لكل كاتب في لحظات وسياقات زمنية سابقة، والأخير يتمثل في حضور الكتّاب أو الشعراء أو مكوني الأنماط داخل الخطاب النقدي. ولكن كل حضور لكليهما يتجلى وهناك حومان بمجموعة من الدلالات والرموز والسرديات الجاهزة، تأتي إما تعضيدا لفكرة يريد الناقد التأكيد عليها، أو إسدالا لمغايرة لتشكيل فكرته في حيز مقارن، لا يتمّ التنبه إليه إلا من خلال استحضار النصوص وفاعليتها، والشخصيات والسرديات والدلالات المرتبطة بها.

إن العودة إلى النصوص أو إلى الشخصيات من خلال مثيرات نصية قد تكون جزئية أو كلية، واستحضار سردياتها ودلالاتها الأيقونية الماثلة في الذهن ليس إلا وسيلة من وسائل المراودة ومحاولات تسوّر حدود النص المبهم، من خلال ذاكرة مملوءة ومشدودة للشبيه والنظير أو المباين المختلف انطلاقا من تشابه البنيات أو تداخلات المناحي الفكرية قربا أو بعدا. والشبيه أو النظير أو المباين المختلف لا يطلّ- والحالة تلك- إلا في إطار سردية جاهزة محتمية بتشكلها السابق في كتابات مؤسسة، ولدى أدباء سابقين، وكأن في العودة إلى الشبيه والنظير زحزحة للانغلاق، وفتحا لبؤر دلالية تسهم في زيادة مساحة الاقتراب من النص.

فالسردية النقدية في كل المظاهر السابقة- وفي ظل وجود مظاهر أخرى بالضرورة وتجليات عديدة- تختلف عن سرديات الفن في أشكاله المعهودة، لأنها متوارية مشدودة إلى أطر فكرية، وإلى الإجابة عن أسئلة معرفية ترتبط بمعاينة النص الأدبي الآني موضوع المقاربة، وكيفية تشكل أجزائه، وتكوّن منعطفاته. فالسرد في الفنون السردية تحوّل وحركة من خلال المكان والزمان وتحولاتهما، ولكن السرد النقدي سرد يرتبط بالإجراءات ومجمل العمليات والوسائل التي يقوم بها الذهن أو العقل النقدي، لكي يرتّب منطلقاته الفكرية، سواء من خلال التخطيط العام للبحث أو التبويب العام للكتاب، أو من خلال النقلات والتحولات الجزئية والمجهرية التي تحمل نوعا من حركة تدريجية والانتقال نحو الهدف، ولكنها تبدو وكأنها حركة بطيئة تحتاج إلى الإصغاء للنص وتراكيبه وبنيته.


Sunday, December 19, 2021

 

بنية التناظر وجدل الخيالي والواقعي

في (الناظرون) لمحمد سالم عبادة

عادل ضرغام

        يقدم محمد سالم عبادة في مجموعته القصصية (الناظرون) كتابة مغايرة في إطاريها الشكلي البنائي والمعرفي، لأنه يستند إلى فكر ومعرفة وثقافة علمية وأدبية واسعة لبناء إطار ذي خصوصية للقصة القصيرة المشدودة للكثافة والانفتاح وعدم الإغلاق بنهايات دالة، فهي قصص تستعصي على النهايات أو على الإحساس بالنهاية، بل تظل منفتحة وممتدة، ومطروحة للتفكير، مثلها في ذلك الأمر مثل الشخصيات والمناحي الفكرية والمعرفية التي تسهم في بنائها وتكوينها من خلال تجليها.

        كلمة (الناظرون)- وهي تؤسس وجودا مستمرا في كل قصص المجموعة باستثناء القصص التي تأبت على هذا الإكراه الصيغي- لا تشير إلى مجرد النظر أو الرؤية أو الإبصار، ولكنها مرتبطة بالتأمل والتدقيق، وكأن كل قصة تشكل مدخلا من مداخل المعرفة أو الإدراك أو تشكل جانبا أو جزءا من مقاربة العالم والارتباط به، وتقود نحو التأويل والتفسير. المعرفة في ظل ذلك إطار غير مكتمل وغير منته، ومن ثم تأتي مشدودة في قصص المجموعة للنقصان أو عدم الإغلاق. وغياب النهاية فيه إلحاح على فكرة الجزئية داخل كون أو أكوان عديدة، والجزء مساو للكل ويحمل سماته مثل الفرع الذي يحمل مكونات وأنسجة الشجرة بكاملها. القصة القصيرة جزء وكل في آن، جزء لأنها ليست منتهية أو مغلقة بنهاية أو نتيجة، وكلٌّ لأنها في ظل ذلك النقصان محتمية بذاتها، ومكتفية بنفسها، لأن من ضمن محدداتها أن تجذّر المتلقي وتغويه بهذا النقصان، فكل قصص المجموعة أشبه بالسلك العاري، حين تلمسه يولّد حالة انتباه دائم للفكرة وللإطار المعرفي، وتصبح الشخصيات والمكان في تعدده، والزمان في انفلاته أو عدم ثباته مجرد أدوات لبناء الفكرة وتشكيل الإحساس بها.

        يؤيد هذا المنحى وعي المتلقي بكونها كتابة ترتبط بالتأمل والبحث الموضوعي، بحيث يبدو حضور الذات- بعيدا عن الشغف- مجرد خيط من خيوط عديدة تتآزر لتشكيل حدود هذا البناء. ويتجاوب مع ما سبق حضور المعارف التي تتوزّع إلى طبية وعلمية وأسطورية وأدبية، وهي معارف تحتاج إلى تأمل وإلى شغف خاص يقلل من حدة ظهورها، ويجعلها تطلّ بوجه مغاير، من خلال التغيير أو التقلييم في طبيعتها، أو من خلال الإكراهات التي يمارسها الكاتب لإسدال رابط موضوعي أو فني.

        في قصص المجموعة خاصة في قصته (الناظرون عبر الورق)، يلمح القارئ عددا من الشخصيات الروائية والقصصية، بداية من إنجيل كلير بطل رواية توماس هاردي، ومرورا بسمر دياكوف في رواية الأخوة كارمازوف وآخرين، وانتهاء ببلانش ديبو بطلة عربة اسمها الرغبة لتينيسي ويليامز. وكل هذه الشخصيات الورقية- أي الخيالية- تأتي لتناقش أشكال الوجود أو مراتبه كما وردت عند الفلاسفة والمفكرين في حديث ماكبث، وإشارته إلى هذه المراتب: وجود في الأعيان، ووجود في الأذهان، ووجود في اللسان، ووجود في البياض (أي المكتوب أو الورقي). فيتولد نتيجة لذلك إطار معرفي يرتبط بجدل الواقعي والخيالي، وذوبان الحدود الفاصلة بينهما ارتباطا بالأثر الذي تتركه الشخصية التي قد تتعاظم- كجالاتيا- على مخترعها في الشهرة والحركة والاستمرار والحياة بسبب التأويل والتفسير المستمرين. ففي رأي ماكبث أن الوجود- ولا فرق هنا بين واقعي وخيالي- يمكن أن يبدأ من أي مرتبة ليمتد إلى غيرها.

استراتيجية التناظر

        يبدو الفن – أي فن- مجالا خصبا للتناظر والتوازي، فطالما أن هذا الفن حقيقي، ويقدم معرفة منفتحة قابلة للإضافة وللتغيير والتبديل، فإن أي إسهام في مقاربة العوالم مشدود لمقاربات سابقة، ولشخصيات واقعية من لحم ودم أو متخيلة من ورق. ولهذا نجد هذا التناظر لافتا في تشكيل الفكرة، وفي إيجاد نوع من الإكراهات التي يشعر بها المتلقي.

        فالقصص في هذه المجموعة تستند إلى استراتيجية التناظر والتوجيه، مما يؤدي إلى وجود فكرة التمدد والاستمرار، وهي فكرة ألحّ عليها بطل رواية (العنكبوت) لمصطفى محمود راغب دميان، وهي فكرة مهيمنة في قصص المجموع من خلال الكتابة الفعلية، فالشخصيات عبر المراحل الزمنية المختلفة تتباين أسماؤها، ولكن يظل الدور أو الفاعلية حاضرة بشكل مختلف، فهذه الشخصيات التي تتلاحم بالتناظر من خلال مناح فكرية، بها مساحات من التشابه، وبها مساحات من التباين. فالإشارة الأولى في قصة (الناظرون إلى السماء) في تحديد عمر الراوي لحظة القص تأتي وكأنها عفوية، ولكنها في الأساس تمثل إكراها من إكراهات الكتابة السردية، فهي توجيه متعمد لعقد تناظر على مستوى الفاعلية في إطار الاكتشافات الخاصة بكوكب الزهرة، فالتشابه في السن، بين أحمد زكي شيخ العروبة والراوي شيء يتم له البناء بعناية.

        لدينا في هذه القصة تناظران، يؤسس الأول من خلال إكراهات سردية في الإصرار على وصف المرأة ولمعانها الوردي، تلك المرأة التي تجسّد كوكب الزهرة، فاللون الوردي في كل شيء يصنع هالة، تجلّت تلك الهالة- فضلا عن حجر قصر غمدان الموجود في المسجد الذي بدأت القصة أمامه، والمصنوع على هيئة رسم كوكب الزهرة إشارة للتقديس- في نموذجين يتمثل الأول ويتشكل حين تعيدنا القصة إلى عمرو بن لحي بوصفه أحد الوثنيين الذين ابتكروا الأصنام، وتمثاله اللات، ويجلى الثاني في أحمد زكي شيخ العروبة، وأشارت في إجابتها عن سؤاله عن سبب وجودها في باريس: لأني أحب اللت والعجن.

        وإذا كان التناظر السابق بنموذجيه- بالإضافة إلى كتابي الزيج الشامل للبوزجاني، وفلسفة الوثنيين لثمسطس- يكفلان ويشيعان من خلال الهالة ملامح التقديس، فإن التوجه الآخر يأخذ مدى مغايرا أقرب إلى النفي والسلب من خلال الاستناد إلى الاكتشافات العلمية من خلال نموذجي (وجدي الكاشف)- احد رواد مكوك فينيرا 7 الذي أطلقه الاتحاد السوفيتي عام 1970 لمعاينة كوكب الزهرة كما تشير القصة- وعالم الفلك الدنماركي تيخو براهي. فمع هذين النموذجين نحن أمام معرفة تهشّم السابق بحيث تقصّ جناحي التخيل القديم، وتنفي الهالة القدسية المرتبطة بكوكب الزهرة لدى العرب الوثنيين قديما، وقد أسماه الإغريق (أفروديت)، واتخذوا منه آلهة للحب والجمال، وأطلق عليه الرومان اسم (فينوس) لشدة لمعانه.

        والنتيجة في إطار هذا التناظر الثنائي على كل جانب مرتبطة بالعلم، ووضع كل شيء في إطاره، بعيدا عن المتخيل المقدس، فمع اكتشاف تيخو براهي لكوكب أشد لمعانا من الزهرة، خرجت الأخيرة من إطارها الأبدي، وأصابها ما يصيب جميع المخلوقات من الإحساس بالزمن، وظهور التجاعيد والشيب، فلم تعد على حدّ تعبير القصة (نجمة الصباح)، ومع الراوي المعاصر- في واحد من تجلياتها التي لا تحدث إلا كل ثلاثين سنة مدة دورانها حول الشمس- تحوّلت في النهاية إلى رائحة تشبه زبد البحر، والنحاس والطمث، وكأن القصة من خلال هذا التناظر تهشم الخرافة مقابل العلم، وتؤسس في الوقت ذاته لفاعلية المتخيل واستمرار تلك الفاعلية، فتجسيد الزهرة في صورة امرأة كل فترة زمنية يحمل إيمانا بقيمة المتخيل في تشكيل الوعي البشري والإدراك.

        لكن في قصة (الناظرون في أعين أصدقائهم) يتأسس التناظر والتوازي من خلال شخصيات عديدة في إطارين متقابلين، ولكن هذا التناظر يأخذ توجها آخر، فهو لا يفضي إلى التطابق أو التشابه الكامل، وإنما يفضي إلى مساحة من مساحات الريب، ولكنه يظل موجودا وفاعلا، فالقارئ سوف يخامره شك بمساحة التطابقات بين الشخصيات المتناظرة مع اختلاف الفترات الزمنية والسياقات الحضارية في كل تناظر، فمع كل تقابل في كل حالة منفردة يشعر المتلقي أن هناك وحدة ما تتوزع إلى التنازع أو إلى الكره والمحبة والإكبار في آن، خاصة إذا أدركنا أن كل قسيم في كل تقابل يرتبط بنقيضه ويؤيد وجوده، لأن كل واحد منهما يستدعي الآخر، تكشف عن ذلك الصفات المسدلة على كل قسيم. فإذا أخذنا التقابل الأول بين الراوي و(ذ) نجد الأول (وحيد كفيلسوف برجماتي)، والآخر (ذ) (وحيد كشاعر رومانسي).

        فهذا التقابل لا يفضي إلى تنافر، بل يفضي إلى استحضار حالة من حالات التكوين الإنساني، وكأن هذا الانقسام ليس لذاتين منفصلتين، بقدر ما يكشف عن ذات واحدة، يتوجه جزء منها نحو الكشف، ويتوجه الجزء الأخير نحو التواري والاستمرار مع مشكلات وإشكاليات الحياة والعقد الذاتية، فكأنهما وجهان لعملة واحدة أو لشخص وحيد أو هما على الأقل متكاملان، يمثل وجودهما بالرغم من التباين أرضية للاتساق في تكوين الفرد. وقد أثر هذا التناظر داخل الحالة الوحدة، إلى تعديل وتقليم في تناظر سابق بين (بيتهوفن) و(شندلر) مرافقه وكاتب سيرته الذاتية.

        فالثابت تاريخيا أن شندلر كتب سيرة بيتهوفن بكثير من التوسع والتأويل مما أوجد مساحة ربما أقرب للتزييف أشار إليها بعض المراقبين والباحثين، ولكن القصة الآنية –انطلاقا من سطوة الناظر وأثره في خلخلة الواقعي- تشير إلى كتابة ثنائية يشارك فيها (بيتهوفن) و(شندلر) منفصلين، ويكتبان نصين متطابقين، وهذا يؤيد مشروعية التفسير الذي ارتضيناه، بأن الحديث قد لا يشمل ذاتين، وإنما هي ذات واحدة بتوجهات مختلفة ومتباينة، وكأنها تحاول أن تكشف سرّ هذا التباين، وتضعه في بؤرة الاهتمام والتركيز والمقاربة.

        فكل تناظر(بين "الراوي" و"ذ"، وبين بيتهوفن وشندلر) يمارس دوره وعمله في شد الآخر إليه، فيفقد كل تناظر منهما جزءا من حدوده حتى نصل للتناسب، فيحدث تماه وتداخل بين الواقعي والخيالي، بين المتفق عليه والزائف، فيأخذ صورة نقيضه أو مباينه، فنصبح أمام نص له خصوصية من خلال ممارسته الحرة في إزالة الحواجز المدببة والناتئة بين الشيء ونقيضه. ولكن بنية القصة تؤسس توازيا أو تناظرا آخر يرتبط بعين الصديق لدى كل حالة، لدى بيتهوفن و(ذ)، بالإضافة إلى الانفتاح على تناظر ثالث يتمثل في عين الشر في قصة (القلب الواشي)، لإدجار ألان بو. في هذه القصة- يمكن أن نجد تأثيرها واضحا في قصته (الناظرون إلى أنفسهم) خاصة جزئية عدم انتهاء الحواس بسبب المرض، وانتقالها إلى عقد المرض العصبي في جسد جد الراوي (عوض) لتقوم هذه العقد بعمل العين والأذن والأنف- ليس هناك سبب لقتل الرجل العجوز.

        في العين الأولى عين (ذ) نجدها في منطق الراوي (لم تبدُ لي طبيعية من البداية. البؤبؤ لم يكن مدورا بما يكفي لاعتباره طبيعيا)، فهي (أقرب إلى مستطيل صغير مخيف) و(تتحرك دخولا وخروجا)، وتشبه عين الأخطبوط، الحيوان الذي اختاره للدرس والبحث. أما عين الشر في قصة بو أو عين العجوز(فعينه أشبه بعين النسر، عين زرقاء شاحبة اللون)، و(ما ييثر غضبي ليس الرجل العجوز، بل عينه الشريرة)، اما عين بيتهوفن فيتوقف راوي القصة عندها قائلا( دخل شندلر غرفته فجأة فواجه عين لودفيج بيتهوفن المتسائلتين).

        فهذا التناظر بين (العين) لدى كل شخصية يمارس دوره في تنميط التشابه، وفي إحداث انزياحات وتداخلات بينها، ويولّد مساحة للنظر، ولإعادة اكتشاف طبيعة العلاقة بين (الراوي)، يعيد طرح الفكرة المرتبطة بوجود ذات واحدة موزعة إلى نقيضين، أو وجود ذاتين بينهما صراع خفي. ولكن من خلال العودة إلى التناظر في قصة بو بين راوي القصة وبطلها- خاصة إذا أدركنا أن الرجل العجوز في القصة له سمات أبوة، أو أن الراوي يعمل لديه كخادم صديق- والعودة إلى علاقة بيتهوفن وشندلر يمكن أن يتسرب إلى حركة المعنى انحياز للتفسير الأول، أي توزع الذات الواحدة إلى نقيضين، يجب القضاء على واحد منهما، لكي يتأسس وجود فردي فاعل ومهيمن يقود الحركة ويحدّد التوجه، دون منغصات مشدودة إلى عقد سابقة مؤرقة.

        يبدو أن الوصول إلى هذا الانحياز مهم في مقاربة الخروج عن هذا التناظر في عناوين قصص المجموعة، فبنية التناظر في عناوين قصص المجموعة مهيمنة، لتشير من جهة أولى إلى أن فعل النظر أو التأمل مستمر في إدراك العالم وتفسيره وفق توجهات مختلفة، فالمعرفة أو اكتساب المعرفة للوصول إلى تأويل مقنع لسلوك الإنسان تجاه العالم مدخل من مداخل القراءة والتلقي. ويشير من جهة ثانية إلى توجيه انتباه المتلقي إلى اختلاف حرف الجر، أو العدول من صيغة الجمع (الناظرون)، إلى صيغة المفرد (الناظر) في قصة (الناظر من أعلى) للتخلص من إكراهات ثبات الصياغة.

        ففي قصة (الناظر من أعلى) يحمل العنوان من خلال التخلص من إكراهات التناظر في سياق المجموع، دلالة الانعتاق والبعد عن الرتابة التي يشيعها التدنيس بالارتباط بالمجموع، حيث يتم رصد الآخرين والمقربين، ورصد الذات نفسها، وكأن الراوي منفصل عنها، فيكشف عن إشكالياتها وعذاباتها الداخلية المؤرقة. النظر من أعلى – في تصوّر كثيرين ربما يكون نتشة أقربهم- يتيح الاتصال للرؤية الموضوعية، لأن العلو يخلخل وضعية الذات المحدود، ويجعلها تتسامى عن العمى الذي تسببه الرتابة والعادة والتدنيس في الالتحام أو الوجود داخل الكيان أو السياق. الخروج عن النسق بناء على معرفة موضوعية يظهر في السطور الأخيرة للقصة (أدع ثقلي يأخذني إلى أسفل إلى حديقة الدور الأرضي. اخلع حزامي العريض، وأحمل الكيس على ظهري، وأتسلق سور الحديقة إلى خارج العمارة).

        الخروج عن إكراهات الصيغة الجمعية (الناظرون) لم يتحقق إلا في قصص (الناظر من أعلى) و(الناظر في كتاب الموتى) للخروج من الجمع إلى المفرد، ثم الخروج عن إكراهات ثبات الصيغة كلها للارتباط بموضوع جديد وثيق الصلة بالبصر والنظر في قصتي(البقعة العمياء)، و(لا يبصرون بها).

جدل الخيالي والواقعي

        هذه الجزئية في المجموعة القصصية وثيقة الصلة بقيمة الفن وتأثيره، لأن الفن- في عمومه- يشير إلى حاجتنا الملحة إلى وسائل تجعلنا أكثر معرفة بأنفسنا، ويضيء لنا مساحات مظلمة داخل النفس الإنسانية، وقيمة أي كاتب- أو فنّان بشكل عام- تتمثل في مساحة الضوء التي يوجهها للكشف عن التواءات وعقد شديدة التشابك. فقيمة هذه المجموعة تتمثل في الجمع بين الواقعي والخيالي، والتجذّر في مساحة الريب أو التشكك بين اليقين بالوجود واليقين بالتلاشي، فهي في كل قصصها تعتبر الخيالي جزءا من الحقيقي تؤسس له ولفاعليته، وتشير إلى وظيفة الأدب في تشكيل توجهاتنا، وكأن هذه الشخصيات لها وجود فعلي.

        في هذه المجموعة نحن أمام تجليات عديدة لهذا الخيالي، ولقدرته على الحضور والفعل، بداية من المرأة التي تمثل كوكب الزهرة في حضورها الدافق في فترات زمنية متباعدة لمجموعة من الشخصيات (عمرو بن لحي)، و(تيخو براهي)، و(شيخ العروبة)، و(وجدي الكاشف). هذا التجلي يكشف عن يقين بالحضور، ويقين بالغياب. وتبدو الشخصية الخيالية أيضا مشابهة للشخصيات الواقعية، في تأثرها بالزمن في لحظة انسرابها وتلاشيها في اللقطة الأخيرة في القصة لتشير إلى كل ما هو بشري ومتلاش يطبق علبه النظام الكوني من ميلاد ونمو وحياة وموت.

        تتعامل قصص المجموعة مع الحياة وشخصياتها الواقعية والخيالية على أنها أبدية غير منتهية، فهي كيان عظيم تذوب وتتحلل في إطاره الجزئيات، وتتكرر بأشكال ورؤى مختلفة، ومن ثم جاء التناظر فاعلا، وكأن معظم التجارب التي تلمح إليها القصص تحقق ارتباط الإنسان بالكون والوجود وبالذات، ولكنه في كل مرة، وفي كل تناظر محبوك تتجلى إطاراته بشكل مختلف. ففكرة تشابه الشخصيات على المستوى البيولوجي تتجلى على سبيل المثال في القصة الأولى بين الراوي وعم والده عوض. تنقلنا إلى النسق ذاته في التعامل مع قصة (الناظرون عبر الورق)، لأن الكتّاب فصائل تشدهم مساحات اهتمام متباينة.

        ففي قصة المجموعة ربما على نحو ربما يكون فيه شيء من التعمد محاولة لشد الخيالي للواقعي في تجليه على نحو ما يمكن أن نرى في قصة (الناظرون إلى السماء) من خلال تجلي الزهرة في هيئة امرأة تتعرى وتمارس الجنس مع أناس واقعيين، أو محاولة شد الواقعي للخيالي كما في قصة ( الناظرون عبر الكاميرا). ففي القصة الأخيرة تبدو صورة العرائس عبر الكاميرا- وهي تمثل وجودا هلاميا غير حقيقي- مثيرا  لبناء عالم واقعي، يشبع حدود الروح والجسد لدى عمّ عاشور، فهنا إلماح إلى قوة الخيالي المرتبط بوجود هلامي لواقعي، ومن ثم يصبح لفعل الممارسة المتخيل من (عاشور) قوة الحقيقي، مما يفتح الباب في قصص المجموعة إلى مقاربة الخيالي والواقعي، حيث تفضي هذه المقاربة إلى حالة من حالات الالتباس والتماهي الدائمين، في احتلال كل واحد منهما مكان الآخر.

        وتتماس مع أداة الكاميرا في القصة السابقة التي تسهم في توليد الواقعي، واستبداله بخيالي له قدرة على الهدهدة والاتزان، فكرة (الدموع) في قصة (الناظرون عبر الدموع) نجد أن هناك استنادا إلى شمس الدين بن دانيال الملقب بالكحّال، وإلى قدرته في معالجة فتاة تدمع عيناها دائما. الدموع في منطق القصة بلورة تغيّر في طبيعة الواقعي، وتجعل الواقع يتجلى في شكل ما، نرى الشخصيات في حيز الإبصار متجسدة، ولكن من خلال الدموع تتشكل بجوار هذا التجسد مجموعة من الظلال. فالظلال في منطق القصة االتي تتولّد من خلال الدموع وسيلة لاستجلاب وتشكيل الخيالي. ولكن الأهمية هنا تتمثل في توليد الالتباس حول الواقعي والخيالي، واندياح المسافة بينهما، فليس هناك - والحال تلك- مساحة للتفريق بينهما في ظلّ ثنائية الحقيقي والزائف، يتجلى ذلك في قول القصة على لسان الفتاة مخاطبة شمس الدين بن دانيال (حين أبكي أشعر أن حياتي التي أحياها ظل لحياة أخرى حقيقية، لكنني لم أعش تلك الحقيقة، أشعر أنني ظل لأخرى، لكنني ظل لا يفعل شيئا، وإن بدا أنه يفعل أمام الناس).

        قصص المجموعة تؤكد هذا المنحى بوسائل عديدة من خلال الإلحاح عليه في كل قصة من القصص بأشكال مختلفة، فما يبدو الراوي متأكدا من وجوده، بشكل لا يدخل إليه شك، وكأنه حقيقة واقعية ناصعة يتمثل في قصة (البقعة العمياء) في يقين البطل باستمرار حب المرأة وعشقها له، بالرغم من زواجها بآخر استنادا إلى تجربة قديمة، يتحول في نهاية القصة إلى وهم وإلى زيف، فقد كان يخشى بعد انتهاء الجراحة أن تصيبها الهلاوس في لحظة الإفاقة من مخدّر العملية أن تتفوه بحكايات عن حبهما، ولكن ما حدث يثبت له زيف تصوّره، فلم تتحدث- كما أشار زوجها الذ أجرى لها العملية- إلا عن الإبقاء على علب الزبادي لأنها تحتاج إليها. تتجلى مشروعية لهذا الفهم إذا أدركنا أن وضع عينيها اليسرى التي أجريت بها العملية تقدم وكأنها شبيهة بتناظرات العيون السابقة، مما يشكل حركة دائبة من النقيض إلى النقيض، من اليقين إلى اللايقين.

        تفريغ الواقعي من جسديته ليتحول إلى محض خيال، وتجسيد الخيالي وتشكيله ليتحول إلى واقعي ملموس همّ أساسي لهذه المجموعة، وربما وجدنا صدى واضحا لهذا الهمّ في قصة (لا يبصرون بها). ولكن في قصة (الناظرون عبر الورق) تتجلى هذه الفكرة، أو هذا الهمّ الأساسي بشكل لافت للنظر، فنجد أن حضور الشخصيات فيه تعاظم على المؤلفين، وعلى أزمانهم وسياقاتهم. فالشخصيات الروائية لازمنية، حياتها لانهائية غير محدودة، لأنها في معرض دائم للتأويل المنفتح بمرور الزمن على سياقات متباينة، مما يخلق وجودا جديدا مع كل قراءة. فحركة الشخصيات أو دوارنها في نموها وأفولها وثيقة الصلة بفعل القراءة وتعددها، فماركيز يقول ( انا أفضل أن يتخيل قارئ كتبي الشخصيات كما يحلو له، ويرسم ملامحها كما يريد.

        في هذه القصة هناك حضور لعدد من شخصيات الروايات والقصة العالمية والعربية في عيادة طبيب الأسنان، وكلهم يشكون من ضرس العقل، وهم على الترتيب بالإضافة إلى الراوي وترتيبه الثالث عشر والأخير( إنجيل كلير- سمر دياكوف- كاف- مُل فلاندرز- راسكولنيكوف- تشارلز ستركلاند- سانتياجو- ماكبث- لورد هنري- راغب دميان- الشيخ الضرير بطل بيت من لحم- بلانش ديبو). بهذا الحضور والتشكل الواقعي تأخذ الشخصيات مدى أعلى من المؤلف، فعلاقة الشخصيات بمؤلفيها أشبه بعلاقة جالاتيا التي تتمرد على صانعها وخالقها، فتصبح أكثر فاعلية وحضورا عن فاعلية وحضور المؤلفين.

        تجسيد الشخصيات هنا ليس إلا إشارة إلى قوة الخيال، ووقوفه مع الحقيقي والواقعي على بساط واحد متساو، وذلك من خلال طبقات الدلالة، وتوسعها وتعالقها مع الذاكرة الفردية والجمعية. فإذا كان المؤلف الحقيقي محدودا في حضوره العيني وثابتا في إطار تعدده الفكري والمرحلي، فإن الشخصيات ليست محدودة، وليست ثابتة، لأنها متحركة دينامية، وإذا كانت بعض الشخصيات يصيبها بعض الثبات لتحولها إلى أيقونات دالة، فإنها تظل أيقونات منفتحة لتوالدها الذاتي من خلال المقاربة، وإعادة المقاربة من آخرين. فالشخصيات الخيالية أكثر تأثيرا، وتتحول في أحيان كثيرة إلى سنن جاهز، ربما نقيس من خلاله سلوكنا الفردي غالبا بالتقليد أو المغايرة أو التجنب.

        فالإشارة إلى (راغب دميان) بطل رواية العنكبوت لمصطفى محمود، بوصفه أحد الحاضرين في عيادة طبيب الأسنان إشارة إلى فكرة تجلت بشكل لافت في قصص المجموعة من خلال التناظر والاستمرار، فهو شخص سخر حياته لإثبات نظريته التي تقول(إن الإنسان يعيش ملايين السنين، ويولد ملايين المرات، وفي كل مرة يكون له اسم مختلف تماما عما قبله)، ويقول في الرواية (كل شيء باق... لا شيء يضيع في هذه الدنيا، وإنما هو يتحول ويتبعثر ويتشتت).

        وإذا كانت البشرية موزعة إلى أعراف ولغات وفصائل تنمو متمايزة، فإن الشخصيات الخيالية أيضا تتشكل وفق فصائل إبداعية يشدها هم مشترك يتجاوبون حوله، فالإشارة إلى موضع الألم وارتباطه بضرس العقل بالرغم من كونها دلالة شكلية إشارة تدخل الشخصيات إلى تنميط محدد. فاستحضار هذه الشخصيات استحضار لفصيلة إبداعية خاصة، ترتبط وتهتم برصد المآسي البشرية، ومهمومة بالإشكاليات التي تعبر بوضوح عن التساؤل المستمر للإنسان حول الوجود، والصراعات والأفكار المجردة مثل الرغبة والعدل، تلك الأفكار التي تشكل حيزا واسعا في حضور هذه الشخصيات.

        ونستطيع مع كل شخصية خيالية شكلت حضورا في القصة أن نتوقف عند منحى معرفي محدد، ولكنه ليس ثابتا، مثل راسكولينكوف بطل الجريمة والعقاب لدوستوفسكي في تبريره للقتل من خلال تمييز البشر إلى نوعين: مخلوقات عادية، ومخلوقات غير عادية، فالمخلوقات غير العادية لها الحق- من وجهة نظره- في ارتكاب الجرائم وخرق القوانين، ولكنه يشترط أن يكون هذا الخرق، وتلك الجريمة من أجل غاية نبيلة.

        هناك فكرة أساسية تدور في إطارها قصص المجموعة، تتمثل في سلطة الخيالي على التواجد والتأثير، وذلك من خلال تمرير فكرة مراتب الوجود، وأنه يمكن البداية من أي مرحلة، للوصول إلى المراحل الأخرى، حتى في ظل واقع تاريخي، يظل الخيالي له قدرة على التواجد بشكل منفصل ومتجل في ذاته، ربما للانطلاق من فكرة الخطاب، تقول الرواية (بغض النظر عن ماكبث الذي عاش في القرن الحادي عشر قبل أن يكتب شكسبير ما كتبه بخمسة قرون أو يزيد، فإنني خلقت من ذهن ويليام، ثم أصبحت موجودا ذلك الوجود العيني).

        يقدم محمد سالم عبادة في مجموعته (الناظرون)  كتابة قصصية لافتة تحتمي بالفكري المنفتح على الثقافات العديدة، وتستند إلى الفني بتاريخه الممتد الطويل، ولكنها لا تقف عند حدود هذا الثابت والمعروف، ففي اجتراحها لآفاق جديدة، نراها لا تركن إلى التحديدات المستقرة، بل تعمل على تذويب الحدود بين مجمل الخطابات والعوالم الواقعية والخيالية.

       

 

       

 

Wednesday, January 18, 2017

 تعدد الأصوات ومقاربة الواقع الإنساني
في ديوان (هكذا تكلم الكركدن)
                                                      عادل ضرغام

        في ديوان(هكذا تكلم الكركدن) للشاعر رفعت سلام هناك مواجهة خاصة مع الواقع الفردي والجماعي، مواجهة فنية تتوسل بمحاولة استعادة فاعلية الأسطورة، ودمجها في سياقات تاريخية وآنية تستند إلى وعي بوليفوني، وهذا الوعي المتعدد يبنى على رؤية، وليس على ألاعيب ساذجة كما يفعل البعض، فالإنسان لا يقارب العالم بطريقة خطية، وإنما يقاربه في ذات اللحظة بذاكرة منفتحة ممسوسة بالماضي الفردي والماضي الجماعي، وهذه الذاكرة المنفتحة تشارك في طريقة المقاربة والاشتباك، فنص المتن يتجلى في امتداده، ولكن نصوص الهامش الموضوعة في أعلى الصفحة أو في أسفلها، تشكل وقفة افتتاحية قبل القراءة، كما في الهامش الموضوع في أعلى الصفحة، وتشكل وقفة تجعلنا نعاين الأفعال الباطنية المترسبة، وتعمل عملها في تحديد وجهة المتن وطريقة تجليه.
        والمتن والهوامش في ظل ذلك التصور يتنافران ويتكاملان، ولكنهما يتجاوبان معا لمعاينة ذلك العالم الذاهب للاندحار والتلاشي، بالرغم من تكراره بنمطية تاريخية ثابتة، وكأن ديوان (هكذا تكلم الكركدن) يتماس مع تشكيل هوية للمحبطين المنهزمين، الذين يتعاظمون على الهزيمة في كل سقوط، ويحاولون التسامي على ذلك العالم المنحط الذاهب لتلاشيه الذاتي، من خلال فقدان المجموع لصوتهم الكاشف عن هويتهم، واندحارهم تحت سطوة قاهرة، لا تمل اللعب بالمصائر، وتنتشي بالموت والقتل والانتهاك.
        يبنى الديوان على أسطورة( الكركدن)، أو وحيد القرن، الذي يحب المرأة العذراء، فيمتنع عن تلبية كل أشكال الإغراء، وينتهي إلى تلك المرأة ناسيا ضراوته، ويستسلم فتسلمه المرأة العذراء إلى الصيادين الذين يمزقون جسده، ويأخذون قرنه، الذي يستخدم في علاج العقم عند النساء والرجال.
        هذا هو المستوى النمطي أو المادة الخام، ولكن رفعت سلام غير في ملامح الأسطورة، ولم يبق إلا على خطوطها العريضة، فالكركدن- الذي يمثل الضحية في مقابل العذراء الفاختة الكذوب- تحول نفسه إلى جلاد يمارس البطش واللعب المرضي المشدود إلى غياهب وتشكيلات عالم نفسي موغل في المرض والنقصان، وتتحول العذراء- والحال تلك- إلى ضحية لكل أشكال وأنماط ومرايا الكركدن عبر التاريخ، وهنا تنتفي عنها صفة العذرية، وكأنها في كل تجل من هذه التجليات العديدة للانتهاك عبر الأزمنة المتوالية، تصنع غشاء عذريا من الحلم والانتظار لمخلص لا يتحقق، إلا من خلال فعل المراقبة، وتثبيت العين على نقطة بعيدة في الأفق البعيد.
        يتجلى الديوان في إطار تعدد صوتي، وفي داخل كل صوت هناك تعدد داخلي خاص بفئة المراقبين، فقد يكون المراقب صوت الشاعر، الذي يمتلك شهوة إصلاحية ومسئولية التضحية تجاه العالم، وقد يكون صوت المجموع الذي ينقل لنا وقائع الكارثة وحركة السبي والفرار في لحظات السقوط والانتهاك، بالإضافة إلى صوتي الكركدن والعذراء الساردين الأساسيين في الديوان.
صوت الكركدن
        يأتي صوت الكركدن في الديوان كاشفا عن القوة الهادرة بالجهل، حين تبلغ أقاصي لعنتها وتبددها، إلى ذات جوفاء، نتاج مخيلة مملوءة بالوهم والعجز، مشدودا إلى حتمية اللقاء، بعد أن أسدل النص الشعري ارتكانه إلى رؤية مغايرة للأسطورة، فهو ليس مقلدا للسابقين الذين سبقوه، في إطاره النمطي(هولاكو-هتلر-الحجاج- موسوليني- بيونشيه) فلم يستند إلى خطاهم، فهو على حد تعبير النص الشعري:
      (أنا أصل السلالة، والكل ظلال باهتة
      أنا اللحظة المارقة الفارقة
     استعاروا قامتي وسيرتي، سلبوني مني، ارتدوا قناعي الذهبي
     في غفلة من الزمن)      
        تنطلق رؤية الكركدن لذاته من التفرد، وغياب المواجه المناظر، ومن ثم تبدأ غطرسة القوة بالالتحام بالإله، وتتجلى قدرته غير المحدودة في الفعل والفاعلية، قد تزيد في منطق النص الشعري(انفلت إلى ضفة ما خطرت ببال العرافين، لا ينالها لاهوت ولا ناسوت). ويشدنا النص الشعري في إطار ذلك إلى العبث واللهو، حين تكون القوة موجودة ومسيطرة بيد طفل، وهذا يكشف عن غياب المعرفة، من خلال الإلحاح على تجمع جزئيات مثل (القوة / الملل/ الطفل/اللعب):
        أعابث الزمن
       أراوغه، أروغ منه إلى أن يصيبه الوهن، أقطع الخيط الواصل بيننا حرا
      طليقا بلا رسن، أنا المفرد الفرد، الواحد الأحد الوحيد وارث البلاد
      والعباد
                     أنا الأبد
   والكون كرة سقيمة في يدي.
        في حدود تشكيلات الأنماط الأربعة(القوة-الملل- اللعب- الطفل) تتشكل ملامح الخراب، السلطة المطلقة التي تقمع المجاورين لها، تحيلهم إلى خدم وحشم، ومن ثم تتحرك هذه السلطة دون معرفة تهدهد طغيانها المطلق، أو تسلط ضوءا ينير لها الطريق، فتصل إلى مشهد الافتضاض، الذي يفتح الدلالة لتغادر العذراء طبيعتها المادية، فهي ليست عذراء، فقد افتض عذريتها أناس كثيرون قبله، وتسلم قيادها إليه، من خلال عكس ملامح الأسطورة.
        ملامح التشكيل الخاص بالكركدن من خلال المرايا أو الدفقات النصية المتتابعة، بعد طقوس الافتضاض والانتهاك تتجلى في إطار الفرادة والديمومة والاستمرار والمعرفة، ويتحول إلى إمام تصلي خلفه الكائنات سورة الغاشية.
صوت العذراء
      إذا كان كسر المتوقع أو التغيير في ملامح الأسطورة حاضرا فيما يخص الكركدن، فإنه ياتي أكثر حضورا مع العذراء(لست أنت أنت، ولا أنا أنا)، فهي ليست العذراء التي تتولد لها صورة لحظة النطق بهذه اللفظة، وقداستها تبنى من المتخيل النموذجي، بالرغم من العابرين على جسدها.
        ففي الموجات المتتابعة أو المرايا المتفرقة ما يخرق الصورة النمطية للأسطورة، وبشكل قد يكون أكثر دقة ما يجدد سماتها، ويجعلها تنزاح بشيء من المغايرة أو تتجلى بشكل معكوس، فالهزيمة في ذلك الإطار ليست هزيمة الكركدن، وإنما هي هزيمة للعذراء الفاختة، التي لم تدرك وعورة الطريق، ويأتي قطف الوردة كاشفا عن ذلك، وكأن العذرية- بوصفها مظهرا دلاليا- تتجدد مع كل كركدن، ومع كل توجه ينتهك عذريتها.
        صوت العذراء يأتي في بعض التجليات النصية محددا الملامح التاريخية للجسد، وهذا المسح التاريخي يند عن التصور الواقعي المباشر، ويجعل دلالتها مشدودة إلى البعد المعرفي المراقب عبر مرور الأزمنة، فتتجلى ملامح الأسطورة المعكوسة من الفاعلية إلى الانفعال، من القاتل إلى القتيل، من العذراء إلى الثيب، وتلح صورة الشياه بوصفها رمزا دالا على الجماهير، في كل بقعة من بقاع العالم.
        ولكن تحديد أصناف الكركدن في لحظات زمنية سابقة(أكانوا التتر أم المغول أم قبائل الشمال البعيد البعيد؟)، قد يشد النص الشعري إلى دال مباشر محدود، ولكن قيمة نص رفعت سلام تتمثل في توسيع زاوية الرؤية، وتجسير العلاقة بين ما هو واقعي مباشر إلى ما هو إنساني عام في تجليه العميق، فيغدو الكركدن- والحال تلك- صورة لكل قوة غاشمة، تتوسل بإسدال الخوف من القادمين لترسيخ جذورها، وتوطين بطشها، وجعله مشروعا، ومن ثم ياتي صوت الهامش:
       كانوا- كما قال كفافيس- حلا ما، والآن ماذا سأفعل، ماذا سيحل بي
       بلا برابرة؟ تلك هي المشكلة.
الصوت الثالث:
        هذا الصوت قدم في الديوان بشكل كتابي مغاير، ويشعر المتلقي في مرايا هذا الصوت، أنه صوت المجموع المراقب والشاهد على الكارثة، على فعل السبي والفرار، كما في قول الشاعر:
        نحن نساء المدينة المغدورة
        ساقوا رجالنا في الليل
        وخلونا في العراء
        لا قطرة ماء
        لا كسرة ظل أو ضوء
        نحن نساء المدينة المغدورة
        فهذا الصوت يطل وكأنه صوت يعبر عن السقوط، وعن السبي والفرار، وحضور البوم، الذي أصبح غيمة على الروؤس للتعبير عن الحال الآنية قبل ظهور الكركدن، فالكركدن لا يتخلق من فراغ، وإنما يستند استيلاده إلى عمق الكارثة، ومن ثم تتساوق ظروف عديدة للمشاركة في استيلاده، وتنصيب قوته وبطشه، فهذه الحال من الضياع التي يعبر عنها صوت النساء في لحظة السبي حال سابقة لوجوده، وسابقة لحال الافتضاض المجازي الذي لم يحدث بعد.
        إن الصوت الثالث ليس صنفا واحدا، وإن كانت كل الأصناف ترتبط بفعل المراقبة، وكأن المراقبة فعل سكون وتسليم. من هذه الأصناف صوت الشاعر حين يصفى من الأصوات الأخرى، يأتي كأنه الشاهد أو المراقب الإنساني الفاعل، الذي يحاول أن يثبت أن للإنسان دورا في تغيير التاريخ والواقع المطبقين عليه.وفي إطار البحث عن ذلك الدور تظهر تشابهات قوية في الديوان بين الشاعر والمسيح، مما يجعل هذا الدور مرتبطا بالتضحية، كما في قوله:
        إلى أن يصيح الديك صيحته الثالثة، فيسلمني إلى قريني اللدود
        يسرجني إلى الأرض البائدة.
        الشاعر- أي شاعر حقيقي- هو المغني العارف، وما يقدمه معرفة أو نبوءة، ولكن هذه المعرفة أو تلك النبوءة يتم طمسها عمدا، فتقع الكارثة، لأن هناك أصوات مغنين مزيفين يتقنون الغناء المصنوع انطلاقا من معرفة مدجنة تشكل حسب رغبة القوة أو السلطة، فبعد تغييب صوت المغني/المعرفة الحقيقية، من خلال إلقاء العصفور في الجب ورميه بالحجارة- كمعادل تغييب لسبيل من سبل الخروج من الأزمة الطاحنة في قصة يوسف- يأتي صوت التهليل المدجن:
        فيا سيد القلعة العظيمة الموصدة
        لا تفتح إلا للأسلاب والغنائم
        يا وحيد القرن أيها الكركدن
        لك المجد على ما فعلت
        يا سيد الصمت
        لك المجد على ما أسلفت
        والمجد لك.
        الإشارة إلى تغييب صوت المغني، من خلال حادثة الجب، تمثل تغييبا لنسق من المعرفة، كان كفيلا للخروج من الأزمة أو كارثة الجوع، التي يشير إليها النص الشعري، على لسان الشاعر /المراقب في مرآة تالية من مرايا الصوت الثالث من خلال الإلماح إلى بعض صور المحنة المملوكية(أيادي النساء الحانية طبخت أطفالهن- صاروا طعاما لهن).
        وفعل المراقبة أو التأمل من الصوت الثالث لا يتحرك لمعاينة آثار الكارثة أو غياب المعرفة أو مراقبة أحوال البشر، وإنما يتحرك أيضا لمراقبة الإضافات الأسطورية أو الشعبية(للكركدن)، بعد فعل الانتهاك الاستعاري، وتفصح المراقبة عن صورة تغادر النمطي لتلتحم بالشعبي بفعل غياب المعرفة بوصفها إدراكا ديناميا للواقع المحيط بأنساقه العديدة( ما علمني أحد..ما قرأت شيئا..عدوي اللدود القراءة)، فيطل من خلال هذه الصورة التقديس والتآليه:
        أنت أب لليتيم، أخ المطلقة، ساتر من لا أم له
        يا دفة السماء 
        يا سارية الأرض، وخيط المطمار
        لا تقل الكذب لأنك الميزان
        لا تخطئ لأنك الصواب.
        إنه صوت البطل التراجيدي المتأمل، الذي  يبدو شاهدا على الانتهاك، ويراقب نتائجه، هو الكائن الفوقي يأتي بوصفه بطلا في سبيل أمته، ومن هنا كان الإلحاح على صورة المسيح حاضرا، ولكن فاعليته ظلت واقفة عند حدود مراقبة التفسخ والتحلل، فيتحول الجميع إلى رهائن في البلد الخراب:
        رهائن نحن في البلد الخراب
        غنيمة حرب بلا حرب أو معركة
        سبايا تحاصرنا الأسلاك الشائكة
         ما يقدمه رفعت سلام في الصوت الثالث بصنفيه هو الوعي المتعالي، الذي يراكم ويقارب التفسخات الواقعية، وهو وعي ناتج عن التفاعل الإدراكي المشدود إلى معرفة، وإلى قراءة التاريخ الحضاري الإنساني، مما يفتح دلالة الكركدن في بعض الأحيان إلى قطب وحيد لا يبصر بعينيه، وإنما يبصر بقرنه الوحيد المعبر عن موطن وفكرة القوة أو السلطة في انتهاكها وجبروتها السقيم، فكأنه يقارب الكركدن الأعظم، الذي يحيل نماذجه في كل مكان إلى صور ومرايا عاكسة لوجهه.
الصوت الرابع الهامش
يمثل الهامش في ديوان(هكذا تكلم الكركدن) صوتا رابعا، وتتعدد أشكاله في إطار قسيمين كبيرين، الهامش العلوي، والهامش الموضوع في أسفل الصفحة.وقد تكون وظيفة الهامش- بوصفها وظيفة أولى- تبصير المتلقي، وتحديد صوت من الأصوات العديدة، وتأتي الوظيفة إجرائية هنا، فالهامش في أعلى الصفحة لم يأت إلا مع صوت الكركدن، وهو هامش له وظائف أخرى بعيدا عن وظيفته الإجرائية الأولى، منها توجيه أفق التلقي بالتجاوب أو التناقض مع متن النص الشعري، وفي أغلبها هناك عودة إلى التصوير التراثي للكركدن في ثقافات عديدة، سواء أكان هذا التصوير حقيقة خالصة، أو حقيقة تم الاستناد إليها لتطفو الأسطورة نافذة فاعلة.
        واعتبار الهامش صوتا شعريا في إطار التكوين البوليفوني للديوان له ما يبرره شعريا، فقد حافظ رفعت سلام على نقاء صوته الشعري في هوامشه العديدة للديوان، حتى الوظائف التفسيرية-بوصفها منطلقا أساسيا- لم تأت في إطار تفسيري فقط، وإنما كانت محملة بالرؤيا والفن، فالقارئ في بعض الأحيان يشعر بتحولات مكانية بين المتن والهامش، فتارة يصبح الهامش متنا، وتارة يتجلى المتن بشكل مغاير نتيجة لقراءة الهامش معه في آن.
         ولكن أهم ما في الهامش بعيدا عن وظائفه التفسيرية، إنه يعيد المتلقي إلى لحظات وتجليات سابقة لرؤية الشاعر، وهذا يجعل مشروع رفعت سلام مشدودا إلى جذر معرفي منفتح دائما للتطوير، والإضافة والمغايرة.وتجلياته في هذا الديوان ليست إلا توسيعا لأفق الرؤية، أو كتابة على كتابة فنية سابقة، خاصة مع ديوان (هكذا قلت للهاوية).
        الهامش الموضوع في أسفل صفحات الديوان قد يقدم ذاكرة منفتحة، أو رؤية مغايرة، أو رؤية متجاوبة مع نص المتن، او يقدم مساءلة للتاريخ على لحظات زمنية غير محددة. ومن هذه الهوامش التفسيرية، التي تفسر المعنى، وتنحت توجها دلاليا جديدا، قوله عن الحضيض في سياق نص الشاعر/ العارف /المغني، الذي يصنع اكنماله وتوحده بالخيال:
الحضيض قاموسيا ما سفل من الأرض، نهاية سفح الجبل، أدنى منزلة القمر، وهي كلها تعريفات ذات طابع سلبي.
أما حضيضي، فهو مغاير، حضيضي الحنون، أمي الرءوم، نعيمي المقيم .إلخ.
وقد يكون الهامش تفسيريا كاشفا عن رؤية مباينة، ففي نصه، يصور الاصطفاف المشدود إلى الديني أو إلى الشعبوي في ضلاله المدجن بتمثيلات النخبة، نجد المتن يقول:
يا قوم اصطفوا خلفي صفا منتصبا (لا يغفر الله للصف الأعوج) يصطفون محتكين بالردفين العظيمين ويشتعلون بلا دخان كهشيم أو عصف مأكول)
ولكن الهامش يقدم رؤية مغايرة، فهذا الاصطفاف، الذي قد يكون دينيا أو شعبويا اصطفاف مملوء بالتنافر، لأنه اصطفاف قائم على قهر السلطة سواء أكانت سلطة دينية أو غيرها، يقول الهامش:
قوم من شهوات ونزوات متنافرة، تفتقر إلى الاتساق المنهجي أو البنيوي، وربما كانت التفكيكية اصلح النظريات لمعالجتها تحليليا، وكشف أبعادها، طالما أنها مفككة بامتياز.
        فمعاينة الفرق الواضح بين نص المتن ونص الهامش تكشف عن رؤية مباينة متناقضة، رؤية تهدم هذا الاصطفاف من داخله فيحدث التعري، من خلال عيني المبدع /العارف المشدود إلى المثقف، الذي يبحث عن فاعلية، ومن ثم يتجلى الواقع المتفسخ من خلال الإشارة إلى( الكلاب والقطط النافقة الضالة)، ويأتي فعل معاينة صورته في المرآة-التي تأتي دائما في الديوان مجاورة للمرأة-لإثبات الحضور والوجود، وفعل المضاجعة لإثبات الفاعلية بوصفه فعلا تعويضيا نتيجة لعجزه أمام كيان لا تنفع مواجهته إلا بالتسليم.
        في ديوان(هكذا تكلم الكركدن) يؤدي الهامش دورا وظيفيا جديدا، وذلك من خلال الاتكاء على الهامش لإعادة قراءة نصوص سابقة للشاعر نفسه، وهو توجه وجدت له مشروعية بعد كتابي (قلق التأثير) و(خريطة للقراءة الضالة) لهارولد بلوم، فتغدو النصوص في ظل هذا المفهوم الواسع للحوار إساءة قراءة لنصوص قديمة، نطلاقا من مغايرة السياقات الحضاية.
        ففي نص المتن يقول:
        آن أن أعترف أني كذبت عليكم حين قلت إني(وردة الفوضى الجميلة)، وأحيانا (غيمة في بنطلون)
        وفي نص الهامش:
        هكذا زعمت في بعض قصائدي، فصدقت نفسي كعادة الجميع
        وحين نظرت اليوم في المرآة، لم أعثر على (وردة) أو (غيمة)
        فاكتشفت الخديعة المريعة، وبكيت ضياع الوهم الجميل، في مرثية قادمة)
         هنا يقوم الهامش بوظيفة الإلماح إلى تطور الرؤية لدى الشاعر، وكأنه يلفت الباحثين والنقاد لاكتشاف مراحل تطور الرؤية الشعرية، والتنبه لمراحلها من فترة زمنية إلى أخرى، ففي الرؤية الأولى المشار إليها تأتي مساحات الحلم واضحة ذات وجود فاعل، بينما تأتي الأخرى الجديدة الآنية كاشفة عن ضياع هذا الحلم والارتطام بالواقع بعد فعل الاشتباك والنزال، واللافت للنظر أن المرآة والمرأة هما الكيانان اللذان يقيس من خلالهما مساحة الاقتراب من المتخيل النموذجي للذات وللمجموع الذي ينتمي إليه، وكأنهما أداتان كاشفتان لقياس حجم المتحقق والمتأبي عن التحقيق، أو لضياع النموذج المتخيل كلية، أو للانتقال لنموذج جديد إذا تحقق النموذج القديم.
        إذا كان حضور الهامش سواء أكان موضوعا في اعلى الصفحة أو في أسفلها يحمل دلالات عديدة، فإن غياب الهامش عن صوت من الأصوات الأربعة المشكلة للديوان يعتبر غيابا له دلالة مشدودة إلى الرؤية الفكرية للديوان، فغياب الهامش بنسقيه عن صوت المجموع يكشف عن عدم فاعلية هذا الصوت، فالمجموع نفسه يشكل هامشا، في إطار فكرة هيمنة صاحب السطوة، أو يمكن تفسير الهامش في كون هذا المجموع ترك صوته في إطار فكرة التمثيلاتت للآخر الوكيل، الذي يمكن أن يكون الشاعر صاحب المعرفة المفقودة، أو الكركدن صاحب السلطة.