Wednesday, January 13, 2010

بعيدا عن الانتظار...مطمئنا على الحافة

بعيدا عن الانتظار ..مطمئنا على الحافة
عادل ضرغام


يجيء الديوان الرابع (مطمئنا على الحافة ) للشاعر علي الحازمي ، ليشير إلى أن شعريته بداية من ديوانه الأول تقدم نموذجها الشعري من
خلال الاتكاء على أسس فنية، وجدت من البداية بوصفها مكونات جزئية لخطابه الشعري،ولكن هذه المكونات تتعرض في إبداع الشاعر للمساءلة والتجريب باستمرار،ولهذا لا يستمر من هذه المكونات سوى ما هو صالح للاستمرار، ومجابهة عوامل التحول السريع في إبداعنا الشعري،خاصة إذا أدركنا أن الشاعر علي الحازمي من الشعراء المؤمنين بأن قصيدة التفعيلة ،ما زالت تحمل القدرة على تجلية عواطفنا وأحاسيسنا الداخلية، بل لديها القدرة – إذا أحسن توظيف إمكانياتها- على الإشارة إلى المخبوء ،الذي لا يحمل قيمة شعرية للوهلة الأولى ،ويحتاج إلى خصوصية راصدة،تعيد له ألقه المفقود،تحت ضغط العادة وعدم الالتفات إليه।
ومكونات الخطاب الشعري لدى على الحازمي عديدة،خاصة إذا تتبع القارئ مسيرته الشعرية،في ديوانيه الأخيرين على نحو خاص ، ربما يكون المكون الأول لخطابه الشعري يتمثل في استراتيجية اختيار العنوان الخاص بالديوان، وكأنه نواة دلالية منفردة ومرتبطة بقصائد الديوان في الوقت ذاته، فهو لا يقنع باختيار اسم قصيدة من القصائد الموجودة داخل الديوان، ولا يقدم عنوانا يكون ملما بالتمدد الدلالي للقصائد بشكل سريع ، وإنما- يتجلى لي بعد الاشتغال على الديوان كاملا –أن اختيار العنوان يتم في إطار جهد مواز لعملية الإبداع ذاتها ، وربما يحتاج إلى جهد مضاعف ،خاصة بعد انتهاء عملية الكتابة، وانفراط الحالة التي كان يمر بها الشاعر لحظة الإبداع.
إذا أخذنا ديوانه (مطمئنا على الحافة)نموذجا،نجد أنه ليس هناك قصيدة بنفس العنوان،ولكن مراجعة الديوان كيانا كاملا سوف تثبت أن هذا العنوان وثيق الصلة بحالة إدراكية للواقع المعيش بشكله الإجمالي ،وللواقع الفردي ،الواقع الإجمالي الذي لا يكترث كثيرا لرغبات وتطلعات الفرد ،ولا يشعر بالمعاناة الفردية،والواقع الفردي المشدود للماضي ويائسا من القادم ،فكأنه وصل لمرحلة الثبات والرضا بهذا الثبات، بل ويصنع من هذا الثبات شرنقة تحميه من الارتباط بالقادم أو الانتظار، يقول على الحازمي في قصيدته (طوق للغرق):
في دروب الحياة الأليمة
تأتي إلينا الحياة بكامل زينتها
ويغيب الذي ننتظره طويلا
فلا هو حي ولا هو ميت
هتافات أمنية ينصب الوقت خيمتها
حولنا في الخيال وليس لنا في اليقين وتد
يفتح لنا الجزء المقتبس السابق،جزئيات تتماس مع العنوان الموضوع على الديوان، والتي تتمثل في الثبات إلى حالة خاصة تؤمن بصعوبة المنتظر أو عدم مجيئه ،ولكنها ما زالت ترقبه في أسى شفيف. ومن ديمومة الحالة وطنت نفسها على الإقامة في مساحة الريب بين الحياة والموت، أو في مساحة الأعراف بينهما.
إن شعرية الديوان في إطار التوقف عند العنوان هي شعرية المراجعة و التأمل ،المراجعة الموقنة بالخيبات الكبرى على جميع المستويات ،مثل تسرب الإيمان بالأمل، وبالقادم، ولا مجال – في إطار ذلك – بشحن الذات مرة أخرى للدخول في فلك خاص من للحياة ، تلك الحياة التي آثر أن يقيم فيها بمقوماته التي يسدلها ويحركها ،حتى لو كانت ماثلة في السكون والانعزال، وليس بمقوماتها التي تهمله وتقصيه.
إنها شعرية لمراقبة الفوات والنهاية ،التي لا يمكن أن تبدأ من جديد،لأن عدم إدراك قيمتها لحظة وهجها جعلها تفتر تدريجيا ،بالإضافة إلى أن إدراك قيمتها في اللحظة الآنية،لا يمكن أن يعيد إلى الذات الشاعرة الوهج القديم.
المكون الثاني من مكونات الخطاب الشعري لعلي الحازمي يتمثل في اللغة الخاصة به،فلغته الشعرية تؤسس إيقاعها الخاص، محتمية- في ذلك السياق- بغابة الصور المجهرية، والتمدد التركيبي المحسوب برهافة، وهذه الصور تشير إلى مد دلالي ومدلول فكري، لا يقنع بالمؤسس سابقا في ذلك السياق ، وإنما يحاول أن يغير في ملامح هذا المؤسس، من خلال عملية استبدال يقوم بها الشاعر واعيا، ففي القصيدة الأولى (خذني إلى جسدي) من الجزء الأول ( عين تحدق في الفراغ)، لا يكتفي علي الحازمي بالاشتغال على الربط المعهود لدى المبدعين والشعراء بداية من هنريك إبسن في مسرحيته (حورية من البحر)، ذلك الربط الخاص بين المرأة والبحر، والمؤسس على نحو خاص في شعر التفعيلة .فعلي الحازمي لا يقف عند حدود هذا الربط، وإنما يقوم بعملية تغيير واعية، بحيث تتحول المرأة البحر في نصه إلى حالة فريدة للحاجة للعذوبة ولظل الأخر،وكأن الشاعر لديه وعي بهذا الربط القديم، فجاء نصه الشعري لمساءلته ،ولإعادة توزيع الأدوار، فالمرأة تحولت إلى منفعلة متأثرة بهذا الملح ،ولم تعد فاعلة كما تجلى في النصوص القديمة لهذا الربط.
والإشارة إلى هذه الجزئية ، قد تشدنا إلى مكون آخر من مكونات خطاب علي الحازمي الشعري ،وهو مكون خاص بهذا الديوان، فالديوان – في حقيقته- لا يعاين الذات الشاعرة فقط، من خلال آلامها وآمالها وإحباطاتها المستمرة،وإنما يعاين الآخر الأنثوي ،بل يمكن القول – على نحو أكثر دقة- إن الاهتمام الأساسي في الديوان يرتبط بالآخر، ويجيء الاهتمام بالذات في جزئيات التلاحم أو الابتعاد، التي تشير في النهاية إلى مصير مأساوي .
والديوان في مقاربته للآخر الأنثوي ،ينفتح على مساحات الفقد والفوات وعدم الانتباه، كما في نصوص مثل (زواج الحرير من نفسه)و( دلني صوتي عليك)،ويبلغ رصد الآخر – الذي لا يبعد عن رصد الذات في الآن نفسه- مداه في قصيدة ( سلم للغيب)،فهذا النص يعيدنا إلى شتات آدم وحواء في بدء الخليقة ،فلم يكن هناك سواهما ،ولكن كل واحد منهما كان يسير في طريق مباين للآخر:
لم نهتد للفجر في غدنا الموارب
غربتنا قبلة التيه التي آخت سرابا
لم يحن في روحنا
إن نص (سلم للغيب) نص للاتجاهات المختلفة ،أو هو نص الشتات،الذي يبذر العاشقين في مكانين مختلفين للبحث عن الآخر، والنص في بنائه يشير إلى هذا الشتات في كل مقطع من مقاطعه ،فجهة كل واحد منهما – بالرغم من هذه الحميمية البادية والترابط الأبدي- مختلفة ،بالإضافة إلى أن الشتات في قصة آدم وحواء انتهى باللقاء واكتمال القسيمين بعد فترة زمنية محددة،أما في نص على الحازمي فالشتات حالة حتمية ،ولكنه يتعاظم – من خلال الخيال الذي يمكن أن يكون سلما للغيب – لرصد حالات العشق الخاصة بالعاشقين، بداية من الجمرة المتقدة ومرورا بالانطفاء التدريجي، وانتهاء برماد النهاية ،وكأن القصيدة تعبر عن حالة عشق خاصة تبحث فيها الذات عن نصفها المفقود منذ بدء الخليقة،فإذا وجدته أصبحت إنسانا كاملا بتعبير المتصوفة، يقول علي الحازمي:
لم لا تصدق
كلما حدقت في المرآة موتك بعدها
ليلى التي أحببت يا قلبي
تكالب حول معظمها اليباب
وبدد التيه المسافر ظلها
إن مراقبة توزيع النصوص في ديوان ( مطمئنا على الحافة) تشير إلى مكون آخر،يرتبط بالحالة الشعرية للديوان، فالديوان من خلال قسميه يقارب حالة واحدة متدرجة من التأمل للسكون والتسكين في سياق أخير،بحيث يغدو الجزء الأول مرتبطا بتأمل الحالة من خلال المساءلة والمكاشفة المستمرة، راصدا مساحات العطش والاغتراب والتشظي على القسيمين، وصولا إلى الجزء الثاني (تأثيث الغياب)، وكأنه نتيجة حتمية لمساحات الخسران والفوات والنهايات الحتمية،كما تجلت في الجزء الأول.
أما أهم مكونات الخطاب الشعري عند علي الحازمي ، فتتمثل في الصورة الشعرية ،وصور علي الحازمي ليست ناتئة ،وإنما هي صور جزئية يكيفها كيان فكري أكبر ،يشدها ولا يفتتها،بحيث تغدو مشدودة إلى ذلك الكيان الأكبر أكثر من ارتباطها إلى ذاتها وتوحدها،ففي قصيدة (أضاعت مفاتيح رغبتها)يبدو المنحى الفكري واضحا في مقاربة الوحدة ، والطاقة المهدرة لأنثى بالانعزال:
بعينين خاليتين
من الدفء والحب والأمنيات
تظل تجدف نهر فراغ
يطوق وحدتها في الهزيع الأخير
طواعية
أسلمت نفسها لاعتلال التغرب
دون التفات لناي يهدهد
جمر حرائقها من بعيد
فالصور الجزئية أو المجهرية في النص السابق، لا تحتاج- وكل نصوص علي الحازمي-إلى مقاربة منفردة بعيدة عن المنحى الفكري، المهموم بالإشارة إلى حالة شديدة الخصوصية ، مرتبطة بالتيبس الساكن دون التفات لهواء الخارج وبقع الضوء.
ويغدو الاهتمام – والحالة تلك- مرتبطا ومشدودا إلى الكيان الأكبر الفكري ،الذي يكيف هذه الصور الجزئية ،بحيث تبدو معه مشدودة إلى دلالات فكرية تتوالد تدريجيا لحظة القراءة مشكلة في النهاية جسدا نصيا لا نتوء فيه.





Monday, November 23, 2009

ليالي الشعر المؤرقة- حوار مع تشارلز سيميك


أجرى الحوار راى جونزاليس

ترجمة عادل ضرغام
مقدمة المترجم:ولد تشارلز سيميك في بلجراد سنة 1938 ،نشأ في فترة الحرب التي مزقت أوربا،وقد شكلت هذه الحرب-العالمية الثانية- وجهة نظره في الحياة بشكل عام.
هاجر سيميك وأسرته إلى الولايات المتحدة1954 ،وكان عمره 16 سنة،وأقام في شيكاجو،وحصل على البكالوريوس من جامعة نيويورك،وهو يعمل أستاذا للأدب الأمريكي والكتابة الإبداعية في جامعة(هامبشير) الجديدة.
بدأ يصنع اسما لنفسه في بداية السبعينيات من القرن الماضي،حيث كان يكتب كتابة مقتضبة،أو قصائد تصويرية شبيهة إلى حد بعيد بقصائد وليم بليك،وهذه القصائد شكلت وجودها من خلال الملاحظة الموضوعية والتأملية لجزئيات العالم.
وبعد فترة أصبح أسلوب سيميك ذا سمات معينة، وأصبح من السهل تمييزه، والنقاد غالبا يشيرون إلى قصائده،بوصفها قصائد بنيت بإحكام،ويشبهون بنيتها في إحكامها ببنية اللغز الصيني.
حاز تشارلز سيميك مجموعة من الجوائز، مثل زمالة مؤسسة ماك آرثر سنة 1984-1989 ،وجائزة بوليتزر للشعر الأمريكي 1990 ،وجائزة والاس ستيفن 2007 .
في مجموعته (مشي القطة السوداء)رأى بعض النقاد أنها تحاول خلق حالة سريالية مزعجة،وخاصة قصيدته (متكلم في وسط الشارع)،والتي ترتبط بشخص كبير السن يهذي في الشارع دون أن ينتبه له أحد.
ولكن تشارلز سيميك أصر على أنه واقعي عنيد،وأن هذه الصورة الخاصة في قصيدته السابقة،مرتبطة بالموجود فعلا في الولايات المتحدة .فهذه المدن مملوءة بالمشردين،والمجانين ،الذين يتحدثون مع أنفسهم ،ولا يهتم بهم أو يلاحظ وجودهم أحد، أو ينصت لهم أحد .
نص الحوار
أهمية تشارلز سيميك للأمريكيين وللعالم غير محدودة،فهو الكاتب الذي يتكلم بالخيال الذي شُكّل بالحرب،وبالهجرة ،وبالبقاء،المشهد الغريب في قصائده،يبنى من فهم الحزن،الذي يقود إلى لحظة غنية جدا من النصر الإنساني.
والنتيجة أن شعره لا يشبه أي شعر في الأدب الحديث، وكتابته أثرت على شعراء العالم في الكرة الأرضية.لقد نشر سيميك أكثر من كتاب شعري ودراسات وأنثولوجيات (مختارات) من الشعر العالمي ،ولقد عاش حياته كلها في عالم شعري،بينما يخفق الآخرون في تحقيق ذلك.
حينما فاز في عام 1990 بجائزة (البوليتزر) عن مجموعته الشعرية التي جاءت في إطار قصيدة النثر(العالم لا ينتهي)،غيّر طبيعة المؤسسة الأدبية رأسا على عقب،وذلك لأن هذا الشكل العاصي أو المتمرد (قصيدة النثر)حاز أعلى جائزة أدبية في أمريكا.
كتابه الذي حرّره (أنثولوجيا- مختارات)،الذي جاء بعنوان(الجمهورية الأخرى:سبعة عشرة كاتبا أوربيا وأمريكيا – الجنوب الأمريكي -في عام 1971)،كان يمثل محاولة لتقديم أنواع مختلفة من الأشعار العالمية المترجمة إلى القارئ الأميركي.
مقالاته الخاصة في الشعر والحياة عن أوربا الشرقية، والتي سدت فراغا في ثقافتنا جمعت في خمسة كتب غير قصصية.مذكراته التي نشرت حديثا (ذبابة في الحساء)ترتبط بطفولته في يوغسلافيا التي مزقتها الحرب، وبرحلته الفظيعة مع أمه وأخيه،حين هربوا من هول الحرب العالمية الثانية إلى الولايات المتحدة الأمريكية .
كتبه الأخرى تتضمن Charon`s Cosmology ، الذي رشح لجائزة الكتاب القومي عام 1971 ،و(صالة الرقص الكلاسيكية)،الذي فاز بجائزتين عام 1980 الأولى جائزة Di Castagnola والثانية Harriet Monroe .بالإضافة إلى أنه حاز الزمالة من مؤسستين،هما:Guggenheim وMac Arthur ،وفاز بجوائز عديدة من المعهد الوطني للفنون، ومن الأكاديمية الأمريكية للفنون،وقام بالتدريس أكثر من خمسة وعشرين عاما في جامعة (نيو هامبشير).
الناقد برين أفري يقول عن كتابة تشارلز سيميك (إنها تركز بشكل أساسي على عصر التناقضات ، من خلال الإشارة إلى فقد أنظمة القيادة المستقبلية،ولكن خارج دائرة الفقد،نجده يجد القدرة على أن يبقى هادئا ، للمواجهة ، وتحمل الحالة المستحيلة لهذا القرن).
هذه المقابلة أجريت في أكتوبر 2001 بعد صدور كتابه ( نزهة ليلية )،الذي يتكون من قصائد قصيرة،هذا الكتاب الجديد يكون سحرا لدي القارئ،ويولد بداخله جذورا قوية.
*المحاور ( راى جونزاليس ) : في نهاية مجموعتك الشعرية ( ذبابة في الحساء ) كتبت : ذلك هو الشعر العظيم،صفاء رائع في وجه الفوضى،حكمة كافية للتظاهر بالحماقة،في هذه الأوقات المظلمة بالفوضى،والحرب،والخوف : أين يذهب الحمقى الذين يكتبون الشعر؟
*تشارلز سيميك : يتغوطون في ملابسهم الداخلية سويا،مع أي واحد آخر.
*المحاور: في دراستك( ملاحظات في الشعر والتاريخ )،نشرت منذ سبعة عشر عاما ، كتبت ( أنا قلق ، لأن كلمة التاريخ ، ليست الكلمة الصحيحة،التي يمكن من خلالها أن أصف ضغط الواقع أو الحقيقة على الشاعر المعاصر.هل تعتقد أن الشعر الأمريكي يمكن أن يتغير بسبب 11 سبتمبر ؟
*تشارلز سيميك : نعم ، سيتغير حتما ، الأولويات ستتغير ، أصبح من الصعب أن يظل شخص ما لمدة ساعات طويلة معجبا بصورته في المرآة،في حين أن المبنى المقابل يرتفع فيه الدخان ، إنها كانت نرجسية مفرطة ، في شعرنا ، وليس لدينا معرفة كافية عن المعاناة الموجودة في العالم .
*المحاور راي جونزاليس: بعض النقاد يرون أن الشعراء ، يجب ألا يستجيبوا بسهولة للأحداث المعاصرة الآنية ، انطلاقا من اعتقادهم بأن الشعر هدف في ذاته ، وتشكيلاته اللغوية تظل مرتبطة بنبض اللغة أكثر من ارتباطها بالكتابة السياسية،في دراستك ( مشكلة الشعر ) ، كتبت( الشعراء مثل أي شخص آخر ، يعلمون و يعرفون بأنهم كذابون ممتازون،كل واحد أحمق منهم يعتقد في كذبه على نفسه إلا في قول الحقيقة. أنت كنت قاسيا على الشعراء في المقالات التي كتبتها طوال السنوات الماضية .
*تشارلز سيميك : بعض الشعراء يستجيبون، وبعضهم لا يستجيب،ليس هناك قانون .(ويتمان) كتب عن الحرب الأهلية ، وديكنسون لم يكتب،وكذلك هناك شعراء كبار لم يكتبوا .
الكذب شيء آخر مختلف، والله يحرم توقف الشعراء عن الكذب ،كيف يستطيع واحد أن يكتب قصصا جيدة،وكيف أتحدث عن الخيال، هذه هي الجزئية التي تجعلنا مختلفين عن الآخرين،لا توجد حقيقة بدون خيال.
*المحاور راي جونزاليس : أثناء الحرب العالمية الثانية ، هربت من أوربا وأسرتك،وأنت طفل صغير ، هذه الذكريات كان لها تأثير على شعرك طوال حياتك،في كتابك( ذبابة في الحساء ) قلت( الوعي ضوء الوضوح،والتاريخ ظلام ليل الروح ) الروح محرمة في أغلب الأحيان في الشعر الأمريكي،بوصفك شاعرا لك كتابات عديدة،وبوصفك مترجما ،وبوصفك قمت بالتدريس فترة طويلة،هل تشعر بذلك ؟
*تشارلز سيميك : أن تشكّل الروح (تابو) هذه الأيام ، فهذا شيء لا أدركه،إنها ليست كلمة مستخدمة بإفراط في الشعر،أنا متأكد أن الكلاب تحمل أرواحا،وبعض الناس هنا أو هناك-أيضا- يحملون أرواحا،ولكنّ الباقين منا أين يذهبون.
أما بالنسبة لإدخالها في شعري،ستكون مفاجئة لي لو فعلت ذلك ، الالتزام والفن لا يولدان معا ، أي إنسان أو واحد يعمل شيئا بشكل مستقل،ويعتقد أنه يخصه،فهو شاذ،نحن نفترض أننا بلد الأفراد ، بينما الحقيقة أننا نكون مفزوعين من وقوفنا بمفردنا في أي قضية.
* المحاور :كتابك (ذبابة في الحساء ) يحتوي على هذا البيان ( تشير بالتأكيد إلى أنه ليس هناك فرق بين الألهة والشياطين ، وجدوا أم لم يوجدوا ، الطموح السري،لأي قصيدة حقيقية،يتمثل في سؤالها عنهم ، وإن اعترفت بغيابهم . يزدهر الشعراء في الغيابات الشاعرية ، ورغم ذلك يجيء عملك ليكشف عن كاتب يجابه آلهته وشياطينه،هل هي شجاعة مقصودة لتصبح كاتبا منتجا،يكسب مديحا نقديا،في طريق طويل من العمل المختلف عن الشعر الآخر ؟
*تشارلز سميك : أنا لا أعرف عن الشجاعة شيئا ، وما زلت أخاف من الظلام،ولهذا ما زلت باستمرار أذكر الآلهة والشياطين، محاولا استثارتهم ببعض البيانات الشنيعة،ولهذا فهم يلاحظونني ، ويحذروني من ذلك الكرسي،الذي سأصطدم به،أنا لست معنيا بكونهم ليسوا موجودين،فهم مازالوا موجودين،ليساعدوا واحدا مثلي ، أقصد أن أقول ، واحد يمكن أن يتعامل مع العالم،كما وجده،والآلهة والشياطين كانوا موجودين عندما ولدت .
*المحاور : إنه من الصعب على الشاعر أن يضحك لنفسه أو عليها،ولكن عملك يحتوى على كوميديا سوداء،هدفها يتوجه نحو ( الأنا )،وأنا غالبا أشعر أن ضمير المتكلم،دائما يتوجه نحو القلق ، فهو غير قادر على احتواء نفسه،في المدى القصير للأجزاء الشعرية .مثل ( الدراميات الكبرى ) و( رقم الحمقى ) من كتاب( نزهة ليلية) ، مجموعتك الأخيرة )يمكن أن تكون نماذج لذلك : فهل أنت دائما موجود في شعرك ؟
*تشارلز سيميك : كل أدوار الوجود الإنساني تراجيدية وهزلية في الوقت ذاته،وحيواتنا سعيدة وحزينة بشكل متساو،وأنا- دائما – مهتم بالأنماط الإنسانية،وما يرافقها من تكوينات نفسية ومعتقدات، القصائد مثل أي واحد ذكرته،مثل الكاريكتيرات – التخطيطات أو التشكيلات السريعة للشخصية لحظة الفعل ، تقوم على أي شيء سمعته أو رأيته أو تخيلته في ظروف خاصة .
*المحاور :في كتب لك مثل ( أرق فندق ) ، ( زفاف في الجحيم) ،( كتاب الآلهة والشياطين )،( جاك استرو)،( سير القطة السوداء) ، (سويا مع واحد جديد)، أسمع جهاد الشاعر باتجاه الإنقاذ المظلم ، مثلما يدرك أنه بدأ ينمو ويشيخ،هناك المرح،وثقل التاريخ،وألغاز الإيحاء الشعري في هذه الكتب ، هل هناك طريق معين يمكن أن نتبعه ، متجهين إلى الخلف نحو مئات المجموعات المملوءة بمئات القصائد الغنائية الحادة والقصيرة ؟
*تشارلز سميك :ليس لدى إحساس واضح عن الكيفية التي تغيرت بها خلال هذه السنوات،أنا - فقط – كنت مهتما بموضوعات وأشياء عديدة،أفكر بها،وغيرت عقلي كثيرا،ولكن كيف أُضيف كل ذلك إلىّ، ذلك يشكل لغزا بالنسبة لي،وهو لغز – لحسن الحظ – ليس بالضرورة أن يحل،أنا لست مؤمنا بنظريات التخفيض reductionist theories ،ولذلك فالعلامة الوحيدة لا تستهويني، هناك تداخل ولخبطة في الحياة،بتناقضاتها المختلفة،التي تجذبني ، وهذا يجعلني – من الناحية الفلسفية – مستتمتعا بأرق الليالي.
*المحاور:مرة أخرى في كتابك ( مشكلة الشعر )،تحدثت عن القصيدة القصيرة،وأشرت إلى أن هناك قصائد قصيرة عرضية بقيت وعاشت ألاف السنين،في حين أن الملاحم،وأشياء أخرى ، أصبحت غير قابلة للقراءة، أي نوع من النظام تحتاج إليه،لكي تحفظ كتابتك،إلى هذا الحد من القصائد القصيرة،ولماذا استمر إبداعك لهذا الشكل القصير طوال هذه المدة ؟
*تشارلز سميك :القصائد القصيرة،لم تكتب ولكنها موجودة في القصائد الطويلة، أنا كتبت قصائد طويلة،إلى أن أدركت،بأن هناك قصائد قصيرة كثيرة،وهي تقول كل ما أريد قوله،وأنا أتعجب من الكثير الذي يمكن أن يقال في كلمات قليلة .
*المحاور:راي جونزاليس:لقد حزت جائزة البوليترز على كتابك( العالم لا ينتهي)،وهو كتاب يتكون من قصائد نثر،بالطبع هناك قلة ضد قصيدة النثر في تلك الفترة .الآن كل شخص يكتب قصيدة النثر،بعض النقاد يدعي أن قصيدة النثر تلاءم،التحول في حساسيتنا الإعلامية ،كتلة سريعة من هذا النمط على الصفحة،ثم نتحرك سريعا، هل هناك توحد بين مقاطعك الشعرية الغنائية،وقصيدة النثر التي كتبتها ؟
*تشارلز سميك :النقاد الذين يقولون هذا الكلام عن قصيدة النثر نقاد كسالى جدا عن زيارة المكتبة،فهم من المحتمل،يمضون الكثير من وقتهم في مشاهدة قنوات التسوق في التلفزيون،ويعتقدون أن كل إنسان آخر يفعل مثل فعلهم،فقصيدة النثر بدأت حوالي 1840 ، وهناك أنواع مختلفة،في تاريخ الشعر الحديث،ولكن في أحسن الأحوال هو قادر على إظهار العظمة .
*المحاور:لقد ترجمت لشعراء أوربيين مثل جاسكوبوبا – ألكسندر رستوفك – وآخرين وقدمت مختارات،من هذه الترجمات( الجمهورية الأسطورية الأخرى)،(والحصان الذي له ستة أرجل : الشعر الصربي ) ، هناك – أيضا – نظريات متصارعة،مرتبطة بالترجمة والنقاش،حول مدى حرية المترجم،التي يحب أن يتحلى بها في نقل الشعر إلى لغة أخرى مغايرة . فهل محاولتك لإحضار الشعراء الأوربيين للقراء الانجليز ، مرضية أم محبطة أم إنه يشكل جزء من التزامك الطويل تجاه الشعر .
*تشارلز سيميك :هناك جزئية بدهية خاصة بالترجمة،ودائما نعيدها بقوة وإصرار،الترجمة هي عمل الحب ، هي القراءة الأكثر احتمالية للقصيدة ، الترجمة احتمالية ، فكل مترجم يحتل موقفا مثاليا ما،طموحي كان- دائما – أن أظل مرتبطا بالنص الأصلي،بقدر ما أستطيع،على الرغم من كل الآراء التي تقدم ضد ذلك .نحن عرفنا شعراء كبار عديدين من العالم من خلال الترجمة،عدد قليل منهم يستطيع أن يكتب قصائد كبيرة ومهمة باللغة الانجليزية.
*المحاور:في مقدمتك لكتاب( غذاء الشيطان )،الذي يحتوي على قصائد مختارة من أشعار ألكسندر رستوفك ، ختمت بقولك أن ذلك الشاعر ( مثل شخص وحيد في قاعة سينما،يشكو عامل البروجتكور، ويتحدث إلى الفيلم الصامت الذي يعرض على الشاشة ) وهذه الصورة انتقلت بسرعة إلى شعرك،فقصائدك في مجموعتك( نزهة ليلية )، تصور صوتا ، ما زال عاليا،أمام الشاشة الصامتة بعد عقود من الكتابة ، ما دلالة هذه والصوت،هل تود أن تخبرنا بها ؟
*تشارلز سيميك : إنه الصوت الذي يجعلك تحتفظ بإنسانيتك الخاصة،وخلوتك الإنسانية الخاصة،ويحفظ الشاعر بداخلك،ويجعلك تدرك أن القصيدة جهد مشترك،بين الشاعر والقارئ،ولو كان هذا الصوت ليس صوتك أيضا، فلن تكون هناك قصيدة ،ولن يكون هناك شعر،سأدخل إلى ذاتي لأقابل أي شخص آخر،ذلك هو الأمل على أية حال.
*المحاور :راي جونزاليس محرر مراجعات الشعر في بلومزبري،له كتاب عن القصة القصيرة بعنوان(شبح جون واين)من منشورات جامعة أريزونا 2001 .حاز جائزة التراث الغربية على أحسن كتاب في مجال القصة القصيرة,وذلك من مؤسسة التراث الغربية،له دراسات وأشعار صدرتا حديثا، وترجم له في مختارات نورتن الأدبية،وفي الإبداع غير القصصي ومجلات متابعات الشعر الأمريكية،وهو يعمل أستاذا مشاركا للغة الانجليزية بجامعة مينوستا.
الحوار نشر في Bloomsbury review,vol 22,2002

Friday, November 20, 2009

شعرية الالتفات وجماليات شالتحول عابد إسماعيل




في دراسته أحوال النص الشّعري، وقوانينه الداخلية، وتفكيك استراتيجيات بنائه، وطُرق نموّه، لغوياً ودلالياً، يختار الناقد المصري عادل ضرغام في كتابه «في تحليل النص الشعري»، الصادر عن الدار العربية للعلوم - ناشرون، (2009)، نماذج شعرية، كلاسيكية وحداثية، يستهلّها بقصائد للشّاعر العراقي سعدي يوسف، تتناول تقنية القناع الشّعري بوصفه بؤرة لتلاقي الأنا والظلّ، كما في نصوص «الأخضر بن يوسف»، لينتقل إلى دراسة «سيفيات» المتنبي، وطرق استخدام الضمير السّارد وتناوبه بين المخاطب والغائب والمتكلّم، مختتماً بقراءة لجماليات الإخبار في القصيدة الحديثة، حاصراً اهتمامه بنماذج من الشّعر المصري، كسرت النمط الرومانسي العاطفي، واقتربت أكثر من اليومي والملموس، كما في شعر دنقل وعبد الصبور وسواهما. ويختار ضرغام التركيز على بنية النصّ وتمدّده في الفراغ، مبتعداً عن القراءة التقليدية للمعاني والصّور والرموز، باحثاً عن أنساق مضمرة تتحكّم بآلية عمل اللغة ووجهتها الدلالية. فالناقد لا يخفي نزعته البنيوية في تناول النصّ بوصفه حالة تمظهر لغوية وبصرية، متمدّدة كتابياً، تتجاوز تاريخها الشّفوي السحيق، حيث تلعب الفراغات والهوامش والهندسة الشكلية المتشظّية، وتوزيع البياض والسّواد، دوراً مركزياً في تشكيل الدلالة النهائية للنص. بل إنه يشير إلى أهمية مقاربة النص بصرياً، والانتقال من الحكم الجمالي المتأسّس على الصّوت إلى الحكم الجمالي المستند إلى الفضاء الكتابي المتشكّل من الإيقاع البصري للمقطع أو السّطر.
وينطلق ضرغام من عناوين قصائد سعدي يوسف، التي تقرن صورة الظلّ باسم الأخضر بن يوسف، قناعه الشعري، الذي يظلّ في حركة دائمة، فوعي الذات مرتبط بوعي ظلّها النامي المرافق، الذي نراه «في تحليق دائم، وله قدرة على الاختراق والنفاذ، والتخلّص من جسده الآدمي الذي يسجنه.» (ص 36) وبحسب الناقد، فإنّ ما يسمّيه «الظل» يعبّر عن كيان مواز يبتدعه سعدي يوسف في قصائد «الأخضر»، لكي يعبّر عن قيم ومثل عليا، تبتعد عن الأطر المادية، وتناقض الوجود الفعلي للذات الإنسانية في الزّمن، المشدودة إلى منطقة عقلية، ما يحُدِثُ اشتباكاً بين الحقيقة والمثال. وفي دراسته التوزيع المقطعي وتنسيق السواد والبياض في قصائد يوسف، يخرج ضرغام بنتيجة مفادها أنّ الشعرية العربية المعاصرة، وتحت تأثير اكتشاف الطباعة، باتت تركز أكثر على شعرية الكتابة، بعيداً عن الشفهية الإنشادية، وهذا ما يسعى إليه يوسف في اعتماد النبرة الخافتة، والعناية بتنسيق جمله، أفقياً وعمودياً، فضلاً عن استخدام جدلية التجلّي والتلاشي في مقاربته علاقة الظلّ بأناه الشعرية.
ويحملُ ضرغام منظورَه البنيوي إلى قراءة سيفيات المتنبي، وتحديداً استخدام هذا الأخير الضمائر السردية، بوصفها مرتكزات مفصلية، أو أدوات ربط تنظّم عملية بناء الدلالة، وتشعّبها في مسار النص، فالضمائر، كما وصفها أحد النقّاد، تمثل بحقّ «أعصاب النص». وتنشطر الضمائر إلى أنواع ثلاثة، ذاتية، تترجُم مكنونات الأنا (المتكلّم)، وموضوعية، تكرّس مبدأ الغياب (الغائب)، ومركّبة، تقع بين هذا وذاك، وتصهر الذاتي بالموضوعي (المخاطب). إنّ اختيار الضمير السارد يلعب دوراً كبيراً في عملية التواصل بين النص والقارئ، فهو، أي الضمير، يحدّد تنظيم الخطاب، ويقوم بوظائف عدة، مرجعية وانفعالية وإدراكية وإيحائية، وقد اختصرها القدماء بوظيفتين اثنتين هما الاختصار والخفّة. كما أنّ التحوّل من ضمير إلى آخر يرتبط في الأساس بالوقفة الدلالية، وهذا ما سمّته البلاغة العربية «الالتفات»، الذي يشكّل، بحسب ضرغام، «ظاهرة تمتاز بها اللّغة العربية، حيث يتحرّك المبدع بين الضمائر الثلاثة بحرية في إطار بنائه للنصّ» (ص 60). وهذا ما يُحدث اهتزازاً في البنية النمطية المتوقّعة، وُيعتبر نوعاً من الانتقال من أسلوب إلى أسلوب، كما يشرح الزمخشري، الذي يتناول الالتفات بلاغياً، ويركّز على أثره في المتلقي أو السامع، وقدرة هذا التحوّل على إيقاظ القارئ من سباته، فضلاً عن أنّ الرجوع من «الغيبة إلى الخطاب» هو تفنّن راق في استخدام الكلام. وقد أشار النقّاد إلى أنّ الأصوات الثلاثة هو - أنا - أنت تتجاوز قيمتها التعبيرية والجمالية وفقاً لموضعها في الكلام، وهي ترتبط جوهرياً بحركة المعنى النامية في النص.
ويبحث عادل ضرغام عن الصوت الذي يحمل نص المتنبي إلى القارئ، فأحياناً يكون منطلقاً من الذات في إطار المتكلم، وأحياناً أخرى يكون منبثقاً من وقفة إخبارية في إطار الغياب، فالمتنبّي في نصّه ليس صوتاً مفرداً يضرب في فراغ وإنمّا هو صوت «مشدود إلى أصوات أخرى» (ص 72)، ما يساهم في تعدد أشكال الضمير السارد، فتختفي الذات أحياناً في شعره لتحلّ محلّها أنا الجماعة، وأحياناً يشتبك الذاتي بالموضوعي، كأن يبدأ البيت بضمير المتكلم ويقفل بضمير الغياب كما في قوله: «مررتُ على دارِ الحبيبِ فحمحمت/ جوادي وهل تشجو الجياد المعاهدُ». وهذا الضمير السارد، المهيمن، يتسم بالفاعلية والتمدّد التركيبي، كما يوضّح ضرغام، إذ يُدخِلُ الضمير المتكلم، الذاتي، في بؤرة الفعل الشعري، ليرصد أنا الغياب، وتجلّياتها الجمعية. وينوّه الناقد بأنّ أنساق ضمائر السرد في سيفيات المنتنبي، مرتبطة ببناء قصيدته ذاتها، وبخاصة قصيدة المدح، المرتبطة بدورها ببنية القصيدة العربية المعهودة، المحكومة تقليدياً بالمقدّمة الطللية، قبل الدخول إلى فلك الممدوح، والوصول إلى الخاتمة. وتتناوب الضمائر السّاردة، المخاطب والمتكلم والغائب، في إنتاج الدلالة لدى المتنبي، ما يؤكّد سمة المغايرة والتحوّل في القصيدة الكلاسيكية، يعزّزها دور الضمير السّردي في صقل التنوّع الأسلوبي، فالضمائر في النص الشعري تكشف عن أنّ هناك «تعدّداً في البيت الواحد» (ص 104)، ما يثري المنظور المجازي والدلالي للقصيدة الكلاسيكية.
ويرصد ضرغام في الجزء الثالث مسألة انكسار نمط الخطاب الشعري في القصيدة العربية الحديثة، التي شهدت انتقالاً من حالة التوحّد الذاتي الرّومانسي إلى حالة الرّصد الموضوعي للواقع، ففي الأولى نجد الذات محورية، تحتل مركز الكون، وفي الثانية، تغيب وتضمحل، ليحضر العالم بتناقضاته وتفاصيله. وقد تجلّى هذا التحوّل، أسلوبياً، لدى الشاعر المعاصر من خلال انتقاله من لغة مسربلة بالتهويمات والاستعارات، إلى أخرى مغايرة، تبتعد عن النمط الرومانسي، وتعتمد التقرير والإخبار، والاقتصاد في الغموض والترميز، والذهاب إلى الوضوح والدقة، متجنّبةً البوح الذاتي المغرق في غنائيته. هنا نجد لغة الشاعر الحديث، أقرب إلى التقريرية الإخبارية، الخالية من الخطابية العالية، والإنشادية الملحمية، فهي تتميز، بحسب ضرغام، بكسر النموذج اللّغوي الرّومانسي، والميل إلى الوضوح الدلالي، واستخدام آليات تعبيرية، أقرب إلى النثر، يهيمن فيها ضمير الغائب، الأكثر موضوعية، على حساب ضمير المتكلم، الرّومانسي. هنا يمثّل النص الشعري سيرة للكائن العادي، الذي يحتفل باليومي والمألوف، مبتعداً عن التجريد والمفاهيم الكبرى.
ويعتبر الباحث شعر أمل دنقل نموذجاً للتحوّل من الذّات إلى سيادة التوجّه الواقعي، وميزته أنّه «يقدّمُ رصداً للذات في أثناء رصده للآخر» (ص 171) وقد مرّ اليومي لديه بمرحلتين، الأولى ارتبطت برصد الذات الفردية، والاهتمام بالمهمّشين الآخرين، والثانية ارتبطت برصد الذات «حين تتجذّر في سياق موضوعي ينطلق من الإحساس بالهزيمة.» (ص 173). هاتان المرحلتان تنسحبان على تطور القصيدة العربية الحديثة ذاتها، وبخاصة قصيدة النثر، عبر انتقالها من ضفّةٍ تعبيرية إلى أخرى، وتخلّصها، شيئاً فشيئاً، من ضبابية الأنا الرّومانسية.
لعل أهمّ ما يميّز قراءة عادل ضرغام هو ابتعادها عن المقاربة الانطباعية، التقليدية، للنصّ الشعري، ولجوئها إلى استنطاق النصّ بنيوياً، من خلال تتبع نموه اللّغوي، وتمدّده البصري في فراغ الصفحة، فضلاً عن تفكيك بنيته الدّاخلية، كما تجلّى في دراسة جدلية الظلّ والأنا في شعر سعدي يوسف، وتبيان تناوب الصّوتين في تشكيل الفضاء الدلالي للقصيدة، فضلاً عن تحليل طرائق استخدام الضمير السّارد في شعر المتنبي، في إطار رصد حركة الذات، وصراعها مع نفسها ومع العالم، وصولاً إلى تلمّس ذاك التحوّل المفصلي في القصيدة العربية الحديثة، وانتقالها من إنشادية بلاغية عالية إلى خفوت تعبيري هامس.

Wednesday, November 11, 2009

تراتبية البناء-عادل ضرغام


أخذت الشعرية العربية المعاصرة أنماطا وأشكالا جديدة, منها ما يؤكد خصوصيته في إطار جنس أدبي معين كقصيدة النثر, ومنها كذلك ما يؤكد خصوصيته من خلال تشكيل ملامح فنية ربما تكون فاعلة في تحديد ملامح هذه الخصوصية, ومنها أخيرا ما يتمثل في اختيار لغة خاصة تجنح إلى اللغة الشعرية الشفافة، التي تجعل المتلقي في منطقة ما بين الإعجاب بهذا التشكيل الخاص للصور الممتدة, وبين الخوف من صعوبة المغامرة التي يحاول ارتيادها. فالدخول إلى عالم هذه الدواوين ربما يحتاج إلى لغة خاصة تحاول ارتياد هذه العوالم الشعرية، فلا يشعر القارئ للنص النقدي والشعري أن هناك مساحة معرفية شاسعة بين النصين.ويأتي ديوان علي الحازمي "الغزالة تشرب صورتها "علامة بارزة على هذا النوع الأخير، فلغته شفافة تحيل المتلقي إلى عوالم خاصة يبنيها، ويؤسس بنيتها الخاصة، ولكنها في الوقت ذاته لا تحيل على شيء يمكن للناقد الإمساك به، لأن لغته منسربة تحاول الإيهام بالبعد عن الحادثة، وإذا حاول الناقد أن يطوعها لأدواته التي لا تصل إلى فضاءاتها الخاصة، فسنشعر بالفارق النوعي بين النص الشعري والكتابة النقدية. وملامح الخصوصية وإن كانت تنبع من اللغة الشفافة، فإنها ليست الملمح الأخير, فهناك ملامح خصوصية تنبع من تقنية البناء، الذي يحاول أن يجسد أو يجذر تجربة الحب شديدة الخصوصية التي يقدمها الديوان إلى المتلقي. ففي الجزء الأول من الديوان, والذي جاء تحت عنوان "جمر يغفو وامرأة تهب" سنشعر بأن هذا الجزء من الديوان يقدم لنا التجربة كاملة بلحظتها الآنية الجافة, وماضيها الخاص المترع بكل آليات الجمال, وإذا كان هذا الجزء ينطلق من لحظة الجفاف, فإنه يقدم ملامح التوحد في لحظات سابقة, ففي الجزء الأول "تبذرنا شمس آب" سنجد أن الشمس ربما تكون بداية مرحلة ما تتصل بالميلاد والطفولة, ومن ثم يكون جمع الاثنين منطقيا, فالشمس في ذلك السياق إشارة للوجود والوعي والنمو. ومن هنا يأتي الخطاب الشعري معبرا عن التوحد القديم في لحظة الطفولة: يا حبيبة مري على الغيم- دعينا نطوف بالأمنيات على مفرق السهل/ حين ولدنا/ كما العشب بين صخور التلال القريبة/ كنا قريبين من سرنا/ قاب قوسين من منتهى الأمنيات/ التي يأسر الناي غربتها في أنين القصب/ كان طفل هوانا ندى وشذى ممكنا". فالمتأمل لهذا الجزء يدرك أن اللحظة الجافة الآنية هي التي تحرك حركة المعنى في النص، وهي الفاعلة، ومن ثم كان التدثر بصور قديمة موروثة "مري على الغيم" التي تحيلنا إلى الحب العذري القديم، وإلى عادة البدوي القديم الذي كان إذا رأى الغيم وثق بالمطر.إن هذه اللحظة تمارس تأثيرها على حركة السرد في القصيدة وعلى التمدد التركيبي الذي يتكون أمامنا في النص، ومن هنا يأتي الارتداد إلى لحظة سابقة، كان الوعي فيها ساكنا، والخوف من المستقبل غير موجود,وهي لحظة الطفولة، التي كانا فيها كالعشب حين يوجد وجودا طبيعيا, مكونا وحدة خاصة، والإشارة في قوله "قاب قوسين "تحيلنا إلى حالة صفاء وجودي واكتمال بين نسقين. ولكن هذه اللحظة الماضية والمرتبطة بحالة توحد خاص، سرعان ما تتبدل وتتحول إلى لحظة آنية نابعة من ويل القناصة الذين ينثرون سهامهم: أرخي العنان لخيل هواك/ لنفلت من ويل قناصة ينثرون/ سهامهم حول تلك التلال القريبة/ دعي الخيل تشرع من رغبة في جناح قوائمها / كي تعانق من غربة في دمي وطنا. إن المتأمل لهذا الجزء من النص ويقارنه بالجزء السابق سيدرك أن مكان التوحد ومكان التشتت واحد، يتمثل في تلك التلال القريبة، والفارق ماثل فقط في الصفاء والأمن في الحالة الأولى، ووجود القناصة في اللقطة الثانية، ومن هنا كان الانتقال إلى رمز وثيق الصلة بالأدب العربي، وهو رمز الخيل، والخيل في النص ليست الخيل المعهودة، وإنما هي خيول الحلم، التي تنبثق أساسا من جفاف اللحظة الحاضرة، ولهذا جاء الحديث في المقطع التالي مرتبطا بحديث خاص للريح والغيم "دعيني أجرب حظي مع الريح/ حين تهب على عشبنا الحر "إنه حنين للحظة ماضية تبددت بفعل لحظة آنية. إن الفارق الواضح بين الواقع والحلم يمارس تأثيره في تشكيل ملامح الخصوصية اللغوية لدى علي الحازمي، وفي تشكيل طبيعة البناء الشعري. فإذا كان الجزء السابق من النص مازال مؤمنا بمشروعية التوحد السابق, ولو عن طريق الحلم، فإننا سنجد في الجزء التالي من القصيدة "نخلة تسند العمر" أن هناك ملامح وحدة بديلة عن التوحد السابق الذي رأيناه خيالا في الجزء الأول، وذلك حين يقول "لنا الله/ حين يلف اليباب حقولا من الحلم/ رحنا نربي فصولها في الفصول العصية "فسلطة الواقع في ذلك الجزء متجلية ومتجذرة بشكل قوي، فخيله - الحلم - تمثل سباحة ضد التيار المؤسس الذي يروضها، ومن ثم سنجد ألفاظا في النص الشعري تؤسس لتلك الوحدة مثل الخريف والهجير، ولم يتبق له إلا الغياب الذي يؤسس لهذه الشعرية منطلقها وحلمها الصاعد تدريجيا بخيوله. إن هذه الوحدة التي تصدرت النص الشعري في النص بداية من الجزء الثاني، تفتح الباب لخطوة أخرى تنبني بشكل تراتبي على الوحدة السابقة، وتتمثل في حالة انعزاله أمام تمثاله الذي صنعه من الورق، ففي الجزء الثالث من النص نقرأ قوله "تجلس الذكرى أمام النبع تروي للغزالة/ قصة العطش المقيم على الضفاف/ وكيف لاح الغيم في خجل على الماضي/ ليزهر غصن قامتك النحيل " ويبدأ هذا التوجه في النمو، من خلال الجزء الرابع "غصن وحيد للغناء ", وتتحول المحبوبة إلى رمز خاص في الجزء الخامس "عائشة ", ذلك الرمز الذي أسسه البياتي، وجعله منفتحا على دلالات عديدة ترتبط بالفردي والوطني والوجودي. ويختم البناء النصي من خلال الجزء الأخير "جناح المخيلة "الذي يرتبط بالخيل، والغزالة التي تغادر طبيعتها المادية وتنفتح على مجالات عديدة، منها ما هو ذاتي، ومنها ما هو مرهون بالإبداع الشعري حين يلتحم بالخيال والمجاز.

Thursday, September 24, 2009

- في تحليل النص الشعري-لعادل ضرغام بحثا عن المشترك الإدراكي بين المبدع والمتلقي


تنطوي المقاربات النقدية، للأعمال والنصوص الأدبية، على تحديات مثيرة، لعلها في المستوى الأبرز ستعنى بتحقيق فهم أوسع للنصوص، ذلك أن إشكالية الفهم، سوف تحيلنا إلى المديات التي تلتزم بها ممارسة بعينها بنظرية ما، أو مفارقتها باستخدام (آليات حديثة) تتكىء في الأعم الأغلب على النصوص، دون أن تغفل إنجازات النقد البنيوي والأسلوبي، ومعطيات النقد الجديد، في مستوى معاينة النصوص الشعرية وسواها.
ففي كتابه (في تحليل النص الشعري) يقف الباحث المصري عادل ضرغام، على مسافة محسوبة من فرضيات فهم النص الأدبي، ليقارب، مستفيداً من معطيات النقد الحديث، نصوصاً دالة يخضعها لمجهر التحليل. فثمة دراسات ثلاث هي: (في كتابة الظل في قصائد الأخضر بن يوسف، في شعر سعدي يوسف، وتحولات الضمير السردي في سيفيات المتنبي، وجماليات التقرير في القصيدة الحديثة، أحمد عبد المعطي حجازي وأمل دنقل وحامد طاهر نموذجاً).
ثمة - إذاً- مقاربة بنائية، تنشغل بالتحليل والتركيب في سبر الجزئيات والسمات التي تكون الخطاب الشعري، تتكىء على متخيل حداثي وتراثي، سعياً وراء انفتاح الدلالة، على مستويين لغوي وفكري، لتثير قضايا إشكالية راهنة في الشعر العربي، منذ بدأ النقد العربي يضعها في دائرة الانتباه والتعليل، ومنها تحول الشعرية العربية المعاصرة- تحت تأثير اكتشاف الطباعة- إلى شعرية كتابية، بعيداً عن الشفهية الإنشادية، بمعنى انتباه الشعراء الحداثيين إلى مسألة الفضاء الطباعي، وتشكيل النص، ومساحات البياض، واستواء ذلك في ( الشعرية البصرية) ليعاين الكاتب مستويات الوعي بالتشكيل البصري للنص الشعري، ودورها في جعل المتلقي مشاركاً فيها، وذلك ما لاحظه الباحث في استقرائه لقصيدة سعدي يوسف وآليات كتابتها، إذ ثمة اشتغال على هندسة القصيدة وتشكيلها بشكل خاص، وتعليل اشتغال الشاعر سعدي يوسف يعود لوعيه بجزئية التشكيل الكتابي في شعره بصفة عامة، أو في قصائده الخاصة بالظل من خلال منحى فكري خاص. ويرى الباحث أن العنوان كان منطلقه الأساسي للكشف عن أشكال ذلك الظل وكيفية كتابته، أي نسق الشعر المرتبط بالظل، ونسق النثر المرتبط بالذات الإنسانية. ولعل ثنائية الظل وصوت الذات، سوف تحيل لوجود الصراع ، ليظهر الصوت الفاعل منهما في رصد الحياة. وما يلفت الباحث النظر إليه أن استثمار الفراغ يؤدي وظيفة من شأنها أن تجتذب القارىء، ليكمل النص وفق ثقافته الخاصة، وسيفيض تعليل الباحث لأنساق الصراع والشعر والتوحد والتلاشي وسواها، استقراراً لطبيعة (العلاقة الملتبسة) بين الإنسان والظل أو الشاعر...
وعلى الرغم من اعتراف الباحث أن دراسة تحولات الضمير في الشعري، ربما يكون أكثر فاعلية في دراسة النصوص الحديثة ، بإدراك الغياب ومفاعليه، يذهب إلى سيفيات المتنبي، ليقف على فاعلية الضمير بوصفه شرايين تمنح الحياة للنص الشعري، فيضيء تجليات نقدية مثل ظاهرة الالتفات وكيف عالجها البلاغيون العرب، لاسيما الضمائر السردية، فهو يستحضر نصاً قديماً، ليجلو لنا الصوت الشعري الذي يحمل النص للمتلقي، ويرى أن تحديد الضمير السارد في النص الشعري يرتبط بالبحث عن الصوت، والصوت يمكن أن يكون منطلقاً من الذات في إطار المتكلم. واعتبار النص الشعري سردياً، لم تثبت له مشروعية إلا في إطار مفاهيم سردية، لذلك فتحديد الباحث للضمير السردي الفاعل في قصائد المتنبي، يحيله إلى تأمل القصائد ليقول بأن صوته - أي الشاعر- مشدود إلى أصوات أخرى، فيحدد سماته من خلال الدلالات والتمددات التركيبية، لاسيما في قصيدة المدح في استحضارها للغياب، صورة الممدوح تجعله أقرب إلى النموذج، وهكذا ذهاباً في رصد إشكالية اعتبار النص الشعري نصاً سردياً ومشروعية ذلك الاعتبار. ولعل الظاهرة اللافتة التي يُعنى بها الباحث ما يسميها «بتخفيض اللغة الشعرية واقترابها من اللغة التقريرية» انطلاقاً من رصد حالة التغيير التي حدثت بعد تلاشي الرومانسية ووجود الواقعية كمذهب أدبي طاغ.
والتحول الذي يرصده الباحث مثلاً في لغة شعر صلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي وحامد طاهر، هو من خلال لغة مملوءة بالاستعارات المجنحة والتهويمات اللافتة التي سادت في إبداع الرومانسيين، فضلاً عن أنها مملوءة بالتقرير والاخبار. يختار الباحث اسم (التقرير) كنسق ويبحث عن جماليته، فهو لدى عبد الصبور يعد نموذجاً فيما يخص استخدام اللغة التقريرية، أي استخدام لغة تعيد الشاعرية إلى الألفاظ المهملة.
إن محصلة استقراء الباحث عن خصائص اللغة التقريرية ستحدّد طبيعة المصطلح، أي انكسار النموذج اللغوي الرومانسي، مع بقاء شظايا من (النسق القديم) وعدم التعويل على استخدام الاستعارات البعيدة، التي تحتاج إلى إعمال الذهن، ما يعني الميل للوضوح الدلالي والاتكاء على ما يسميه الباحث بـ المشترك الإدراكي بين المبدع والمتلقي.
تلك الخصائص تمثل لدى الباحث تصوراً عن معنى اللغة التقريرية، التي تبتعد عن النسق القاموسي والاستعارات، لكنه يستدرك ليقول بأن التقريرية كمصطلح مرتبط بالحياة اليومية، لا يمكن أن يكون دالاً على الظاهرة ، لأن استخدام لغة الحياة اليومية، لم يستمر على طول رحلة الإبداع لدى كل شاعر، فستبتعد قصيدة اليومي لدى صلاح عبد الصبور لينتقل إلى قصيدة القناع. ولدى أمل دنقل سيرتبط ذلك برصد مساحات الموت المرتبطة بالسأم والقنوط، ولدى حامد طاهر سيرتبط منحاها بالموظف البسيط الذي يشعر بالقهر والاغتراب الحضاري. ذهب الباحث ليعاين ما تنطوي عليه التقريرية من وضوح تجلى في شعرية أحمد عبد المعطي حجازي الأولى، وفي التحول (من سياق فطري إلى سياق معرفي تجريبي)، لكن الإلحاح على جزئيات وثيقة الصلة بالمشترك الإبداعي سيضاعف الرهان على الاقتراب من المتلقي، بخلق حوافز جمالية (للتقريرية).
وبهذا المعنى، فإن التقريرية لا تلبث أن تكون جزءاً لا يعكس شواغل القصيدة الحداثية، فاليومي والمعيش في معادلتهما الشعرية، ليس السيطرة على الكلمات، بل الطريقة التي تكتب بها تلك الكلمات، كما الكيفية التي تتناسب بها مع الاستجابة للكلمة، وإلا فسنذهب مع تساؤل الناقد الفذّ (آي.إي ريتشاردز): ما هو القيّم في الشعر؟!
في تحليل النص الشعري، ذهاب لأكثر من محاولة بنيوية تطبيقية تستبطن حداثة الشعر، وتضرب في جذوره، ما يقربنا من جمالية التحليل بمغايرة مقصودة، برغم جزئياتها المتواترة، وكثافة أمثلتها، وفراغاتها المواربة، بحثاً عما يعمق الرؤية بإشكاليات النص الشعري الحديث وأسئلته الوجودية، ليكتسب المنحى الإجرائي مواكبة أكثر فاعلية، خصوصاً لذلك الثراء النظري الذي استهلت به النصوص المدروسة لا تغفل جدل الخاص والعام، والانفتاح على نصوص أخرى محايثة....

أحمد علي هلال

الكتاب : في تحليل النص الشعري

Friday, July 10, 2009

الكتابة النسوية وآليات التغييب- عادل ضرغام

هل هناك كتابة نسوية؟ وهل ثمة مغايرة بين أسلوب الرجل وأسلوب المرأة في الكتابة؟ وهل يمكن الوقوف على سمات معينة للكتابة النسوية؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة ليست شيئاً سهلاً كما يتصور البعض، لأن الإجابة يجب أن تكون مشفوعة بأسانيد معينة تؤيدها إذا كانت بالإيجاب أو بالسلب.
إن كل هذه الأسئلة تلح على ذهن المتلقي وهو يطالع المجموعة القصصية "جمرات تأكل العتمة، للقاصة منى المديهش، فقد يلمح المتلقي من البداية انحيازاً خاصاً لقضايا المرأة بوصفها شريحة أساسية للتكوين الإنساني تنتمي الكاتبة إليها.
التركيز أو التأمل في القصص المقدمة في المجموعة قد يؤدي إلى نسق معين من الكتابة يقف عند حدود التلميح، ولا يقترب مطلقا من التصريح، وحين تعالج قضية معينة تقدمها في إطار تغييبي معين، يفتح الباب للذهن لكي يذهب فيها في مسارب عديدة، ولكنها - على الرغم من هذا التغييب الذي يبدو متعمداً فنيا - تظل في حالة من الوهج الذي لا يحد.
ففي قصة الحلوى سنجد أن القصة تعمد إلى تغييب الموضوع الأساسي الذي نشأ حوله الخلاف، بحيث يكون الحوار دائراً حول جزئية غائبة عن المتلقي، وإن استطاع بحسه أن يصل إلى حد ما إلى طبيعة الموضوع، من خلال مناقشة الساردة للأب صاحب السطوة الأولى في ضرر الحلوى الذي يرفض أكلها لإصابته بالسكري، ومن خلال هذا الرابط تبدأ في معالجة موضوعها بشكل تغييبي تام.
وتلمح التقنية ذاتها في قصة جرح وكبرياء، بحيث يدور سرد القصة حول مطلق الخديعة بين صديقتين دون تعيين لطبيعة تلك الخديعة. وهنا سوف تلح بعض الأسئلة، منها: هل الأمر له علاقة بنسق اجتماعي معين يأبى ظهور مثل هذه الموضوعات بشكل واضح وجلي؟ أم إن طبيعة الكاتبة هي التي تفرض هذا النسق، بحيث تحاول أن تلح على القضية بحد ذاتها، سواء تعلق الأمر بمطلق الجرح أو الخديعة من الصديقة أم بمطلق التعلق بالخصوصية والتمسك برأيها وبحرية الاختيار دون وصاية من أحد.
إن تأمل قصص المجموعة سوف يجعلنا ننحاز إلى الاختيار الثاني، وفي هذه الحالة سوف تعود تلك التقنية إلى طبيعة الكاتبة التي تلح على مطلق الرفض، ومطلق الخصوصية، وتلح على حقها في الاختيار بعيدا عن سلطة تمارس سطوة معينة، حتى لو كانت هذه الخصوصية تؤدي إلى زلزلة القيم، والوقوف في منتصف الدرب، بعد وفاة صاحب السطوة، كما في قصة "الراحل"، فبعد وفاة صاحب السطوة كان هناك إحساس بفقد المظلة أو السماء...
ففي قصة "ضنى" تبدو ملامح التغييب واضحة من خلال الإلماح إلى وجود تعب كبير في المخ، وبعد الفحوصات يتأكد أنه ليس هناك ورم أو أي شيء، ولكن الساردة تجيب على الطبيبة أنه ليس ورما وإنما حلم كبير... فالإجابة بهذا الشكل لا تفض الإجابات المتعلقة برأس المتلقي، لأن الحلم الكبير تتوزعه الانحناءات العديدة، ومنها ما يرتبط بالرجل، ومنها ما يرتبط بصورة المرأة المتخيلة، ومنها ما يرتبط بالنحت في القادم والتلوين في تضاريسه، وكلها في النهاية جزئيات تتعلق بالنموذج المتخيل.
وربما يأتي موضوع النزوع إلى الحرية بوصفها موضوعاً أثيريا في كتابات المرأة، جزئية أساسية في تشكيل طبيعة هذه المجموعة القصصية، وفي تشكيل آليات السرد الخاص بها. ويتجلى ذلك في قصص عديدة. ففي قصة "الراحل" تتجلى قضية الحرية في صراعها الطويل مع الرجل بحيث يشعر المتلقي أن هناك نفورا من سطوة الأخ والمرتبطة بإصدار الأوامر وتقييد الحرية، وإعداد سيناريو الحركة واليوم بالنسبة لهن. ولكن هذا النفور يتحول بعد موت صاحب السطوة إلى إحساس خاص بفقد المظلة أو الحارس أو السماء التي تظل النساء.
وهنا يمكن أن يتساءل المتلقي عن سبب ذلك الإحساس الذي ينافي الإحساس بالنفور السابق، أهو نابع من شموخ الموت وجلاله، أم نابع من سلطة النفوذ التي تحتاج إلى مدى زمني لتنسم هواء الحرية والتعود عليه دون وصاية أو سطوة من أحد؟. إن المرأة الساردة - أو كل النساء الموجودات بالقصة - تظل بعد أن تحققت لها الحرية بالموت مشدودة إلى حنين ما، إلى عهد سابق، إلى كنف سطوة تظل متشبثة بها.
أما إذا انتقلنا إلى آليات السرد والضمائر المستخدمة، فإنه تجب الإشارة إلى أن استخدام الضمائر في السرد القصصي وثيق الصلة بوجهة النظر، وبالرؤية المقدمة في العمل القصصي. والمتأمل للمجموعة القصصية التي بين أيدينا يدرك أن معظم القصص جاءت في إطار سردي قائم على ضمير المتكلم، باستثناء قصة "طوايا القلب"، التي تعتمد على ضمير الغائب وقصة "جمرات تأكل العتمة" التي تنتهج تقنية الرسائل. ولضمير المتكلم مقدرة كبرى في إحداث التداخل بين السارد والشخصية، وكأن ضمير المتكلم يحيل إلى الذات، بينما ضمير الغياب يحيل إلى الموضوع. وهذا يشير إلى أن أغلب قصص المجموعة وثيقة الصلة بالذات المبدعة، بوصفها فرداً من جهة، وبوصفها علامة أو رمزاً لجنس تدخل في إطاره من جهة أخرى.
وفي إطار هذا الترابط بين السارد والشخصية تتعدد التقنيات الفنية بين الحلم وتيار الوعي، والتداعي. ففي قصة "طوايا القلب" يبدو تداعي الذاكرة أوضح ما يكون في جزئية البناء السردي للقصة، ففي بقايا الصوت المرتج من حفيد الحبيب، تبدأ دفقة الذكرى بالنسبة للجدة التي تسرد القصة حكايتها، للرجوع إلى الوراء ليلم المتلقي بقصة "حب"، عصف الزمان بها، فلم تتم، ولكنها ظلت ساكنة في العقل الباطن واللاشعور، تقاوم الموت والضعف الذي ألقى بظلاله على كل شيء، وكأن كل شيء - في منطق القصة يضعف وينتهي غير هذه الثلوج التي تتراكم بين حنايا القلب. وتطفو على السطح ذكريات المنع، فالأب اختار رجلاً آخر لابنته (الجدة) هل تلمح القصة - ولو من طرف خفي - إلى طبيعة المرأة الساكنة التي تسيرها الحياة كالريشة في مهب الريح، فلم يعد لها إلا الذكرى التي تصحو على عبق السنين؟.
إن السكون الذي أصبح علامة على الجدة - التي تشير إلى مدى زمني خاص بالماضي - أثر بالضرورة على توجه الساردة في قصة (جمرات تأكل العتمة)، تلك القصة التي جاءت في إطار الرسائل، ومن خلال تكامل هذه الرسائل وتكامل دلالاتها، تتكامل آليات السرد، وقد جاءت روايات عديدة في ذلك النسق الكتابي الخاص أهمها "بريد بيروت" لحنان الشيخ.
أقول إن توجه الساردة جاء مغايرا لتوجه الجدة، فقد انحازت للمكابرة والعناد، لأن زوجها اختصرها من لحظة خاصة ترتبط بعامها السادس عشر كما قال حجازي، ونتيجة لهذه المكابرة وذلك العناد لم تشعر بالحب الذي بدأ ينمو تدريجيا، وحدث الفراق، وظلت على الجانب الآخر تلعق جرحها.

Friday, May 8, 2009

حوار مع علاء الأسواني

حوار مع علاء الأسواني
في جريدة الجارديان البريطانيةSarah Kinson
أجرت الحوار :سارة كينسون
ترجمة :عادل ضرغام

*ما هي الكتب المفضلة لديك ولماذا؟
عندما كنت طفلا درست في المدارس الفرنسية،وأحببت كثيرا قصص لافونتين الخيالية عن الحيوانات.
*في فترة نموك وتكوينك هل كانت هذه الكتب موجودة في منزلك؟
نعم أبي كان كاتبا ومحاميا،ولهذا كان لدي الكثير من الكتب،وكان هناك أيضا مكتبة عامة في المنزل الذي أعيش فيه،وعندما كنت طفلا كنت أستعير الكتب بشكل جيد.
*هل كان هناك شخص ما يشجعك ويرغبك في الكتابة؟
أبي لقد كنت ابنه الوحيد،ولهذا فأنا مرتبط به جدا،وكنت سعيدا حين أراه يكتب،ومازال أبي حتى هذه اللحظة من الكتابة.ولكن هو-أيضا-رجل آخر ،فقد أعطاني الكتب،وتناقش معي في هذه الكتب،لقد توفي وأنا عمري 19 عاما،وله تأثير ضخم علي.
*ما هي النصيحة التي قدمت لك في بدايتك؟
في سن التاسعة عشرة كنت فعلا كتبت بعض المقالات،وقال لي والدي أنت موهوب،ولكن عليك أن تعمل بجد،وأن تجعل الكتابة الأولوية الأولى في حياتك،في اليوم الذي تشعر فيه أن الكتابة ليست خيارك الأول،فمن الأحسن أن تتوقف عنها.
*من الذي جعلك ترغب في الكتابة من البداية؟
لا أعتقد أن هناك شخصا ما،يمكن أن يقرر لي أن أصبح كاتبا،ولكني أعتقد أن الناس يولدون كتّابا،وهم محظوظون إذا اكتشفوا ذلك.ولقد اكتشفت ذلك مبكرا جدا حين كان عمري 11عاما،ولم يكن لدي حلم آخر،وأنا محظوظ جدا،لأن والدي ساعدني كثيرا.
*هل تعتقد أن الكتابة سهلة؟
لا أنت ترين أن كاتب وطبيب أسنان،أنا أعتقد أن الكتابة أكثر صعوبة من أي مهنة أخرى،لأنه يجب عليك أن تعمل بجد،وأن تكون مكرسا لها.الكتابة – ببساطة- تعني أن ترافق نفسك في مكتبك لمدة ساعات وأيام وسنوات،لتحسين كتابتك،ولتصل إلى أسلوبك،ولن تستطيع أن تحقق ذلك،إلا بعد أن تحب الكتابة أكثر من أي شيء آخر في الحياة،وهذه بالضبط نصيحة والدي.
*هل تصبح الكتابة سهلة بمرور الوقت؟
لا هي لا تصبح كذلك،بل تكون أصعب من ذي قبل،لأن المشكلات تغيرت،عندما تبدأ مهنتك تقابلك مجموعة من المشاكل،وعندما تحل ،تكتشف مشاكل أخرى.
*ما الذي يدفعك للكتابة الآن؟
لا أستطيع التوقف عن الكتابة ،وأنا أعتقد أن الروائي شخصان في الوقت ذاته،فهناك شخص يعيش مع الناس الآخرين ،ويقوم بعمل الأشياء نفسها التي يفعلها الآخرون.وهناك الروائي الذي يختبئ وراء كاميرا حساسة جدا،فالكتاب يلاحظون المثير والمهم ويحتفظون به للكتابة.أنا روائي في ساعات اليوم ،ودائما أستخدم عين الروائي،ولا أستطيع تخيل الحياة بدون الكتابة.
*ما هي التحضيرات التي تقوم بها لحظة الكتابة؟
أنا أكتب من الساعة السادسة ونصف حتى العاشرة ونصف صباحا كل أيام الأسبوع ما عدا الجمعة،الجمعة تشبه الأحد في الغرب،لو لم أستيقظ مبكرا حتى لو لم يكن لدي عمل في رواية معينة أشعر بالذنب.وأعمل في المساء طبيبا للأسنان لمدة يومين أو ثلاثة في الأسبوع.قبل 2002 كنت أعمل كأي طبيب أسنان آخر،ولكن الآن أقضي وقتا طويلا في السفر،وترجمت أعمالي إلى 21 لغة ،ولهذا يجب على أن أذهب تقريبا إلى كل مكان في العالم.
*ما هي النصيحة التي تقدمها للكتاب الجدد؟
الشيء المهم جدا أن تكون متأكدا جدا من موهبتك،لو كنت متأكدا منها ستكون،ثم يجب أن تسأل نفسك هل أنت مستعد للتخلي عن كل شيء في الحياة بسبب الكتابة ،لو كانت الإجابة بنعم،فعليك أن تستمر ،وتعمل بجد،وسوف تحصل على ما تريد.ولكن إذا أدركت أنك تهتم بأشياء أخرى في الحياة،فأعتقد أنه من الأفضل ألا تضيع وقتك بالكتابة ،لأنك لن تصنعها.
*هل هناك سر للكتابة؟
نعم بالطبع هناك أسرار لأي مهنة،وبقدر ما يكون لديك تجارب عملية،بقدر ما تعرف الكثير من أسرار المهنة.ولكن في الكتابة الإبداعية هناك سمات غامضة،على سبيل المثال كيف تكون الشخصيات مستقلة عنك، هذا يحدث لي دائما،ولهذا ليس لدي سيطرة زائدة على الأشخاص فالأشخاص في خيالي يفعلون ما يقررون أن يفعلوا،وأنا أتبعهم ،ولا أستطيع دفعهم أكثر،ليفعلوا أي شيء أريده.
*على أي شيء تشتغل الآن؟
أشتغل على رواية دارت أحداثها في القاهرة سنة 1940 ،إنها ترتبط بالحوار العربي الغربي الثقافي .