Thursday, September 15, 2011

مقاربة الأيديولوجيا في الرواية- جريدة المستقبل العراقي 23-6-2011

مقاربة الأيديولوجيا في الرواية

تم قراءة الموضوع 190 مرة

د. عادل ضرغام يورد آلان روب جرييه في كتابه (نحو رواية جديدة) قوله (كتابة الرواية لا يمكن أن تكون كتابة بريئة)، وهذه المقولة بداية يمكن أن تشير إلى جزئية مهمة، وهى إن مقاربة الرواية بتجلياتها العديدة لا يمكن أن تنفصل عن المنحى الفكري أو الأيديولوجي، حتى في الروايات التي يمكن أن تكون بعيدة عن ذلك السياق انطلاقا من توجهات إبداعية نظرية .وهذا التوجه ربما يجعل مقاربة الرواية من الناحية الأيديولوجية عملا مشروعا، وتتجلى الرواية – في ذلك السياق – بوصفها مشروعا ثقافيا لا ينفصل – بالضرورة – عن السياسي والاجتماعي . ومصطلح الأيديولوجية من المصطلحات المزعجة التي تندرج تحتها دلالات عديدة، ولكنه – بالرغم من هذا الإزعاج – يظل مهما في طبيعة التواصل بين الأفراد الذين يحملون توجهات قد تكون متجاوبة أو متباينة، (فطبقا لألتوسير فالممارسة الأيديولوجية مهمة ومركزية بالنسبة لحياتنا، فالأيديولوجية تبنى خبرتنا بالعالم، وتشكلنا في إطار إرتباطنا بهذا العالم، وكذلك تبنى وتشكل إحساسنا بأنفسنا(وربما كان لألتوسير تأثير كبير في تشكيل جوانب حدود هذا المصطلح، وتجليه الفكري، ففي الدراسات الخاصة بالأيديولوجية هناك إشارات دائما إلى الوعي الزائف الذي تكونه الأيديولوجية، بوصفها آلية تحجب الحقيقة، وربما ولد هذا التوجه تحت تأثير ماركس، الذي شحن المصطلح بدلالة سلبية، (ولكن ألتوسير – الذي انطلق من إنجاز ماركس – يرى أن الأيديولوجية حقيقة جديدة، أكثر من دلالتها على حجب الحقيقة، وملاحظة ألتوسير المهمة تتمثل في أن الفردية بوصفها موضوعا تصنع – أساسا - لحمل الأيديولوجية(وفي تحديد دلالة مصطلح الأيديولوجيا، يجب أن نشير إلى أن هناك توجهين أساسيين، الأول منهما يجعل هذا المصطلح وثيق الصلة بالأفكار والمعتقدات، التي تجمع أعضاء مجتمع معين أو شريحة خاصة من أعضاء هذا المجتمع يقفون في موقف معارض أو مباين لشريحة معينة في إطار ذلك المجتمع، (فعالمة الاجتماع إميلى دوركهايم ميزت الطريقة أو النهج الأيديولوجي بوصفه نسقا يستخدم الأفكار ليحكم ترتيب الحقائق(إن هذه الأفكار أو القيم تشكل سلطة مهيمنة، في طبيعة الحركة أو الفعل أو رد الفعل، للأفراد الذين ينتمون إلى هذا المجتمع أو إلى شريحة منه، بوصفها تشكل نسقا جاهزا للحركة، فيأتي فعلهم أو رد فعلهم متساوقا أو منطلقا من هذه الأفكار،وفي ذلك يقول أحد الباحثين (كل أيديولوجية تكون إطارا أو بنية، تلك البنية التي تشتغل كعدسة تساعد أعضاء المجموعة لقراءة أو إساءة قراءة الأحداث والنصوص والصور، أو أي شكل من أشكال المعلومات، وبدون هذه القاعدة أو الإطار، أو بدون عدسة الأيديولوجية سنجد صعوبة في قراءة المعلومات والصور والأحداث، وستظل وجهة النظر الفردية غير مفهومة( إن التوجه الأول في تحديد الأيديولوجية، يجعل المصطلح وثيق الصلة بجزئيات ثقافية وفكرية واجتماعية وسياسية، وهذه الجزئيات قد أصّلت وأصبح لها إشعاع وفاعلية، بحيث تبدو محركة ومؤثرة لحركة الأفراد الذين ينضوون في إطارها . أما التوجه الثاني، فإنه لا ينظر للأيديولوجية على أنها مجرد انعكاس للسياقات السياسية أو الاجتماعية في الواقع، وإنما يلح على حضور العمليات الفكرية لدى البشر، ولهذا يشير بعض الباحثين أن الأيديولوجية هي المعرفة المشتركة . هذه المعرفة المشتركة، كان لها تأثير في توجيه المصطلح، نحو دلالات أكثر عمقا بعيدا عن دلالته السطحية في التوجه الأول، فجاءت دلالته مرتبطة في إطار ذلك التوجه وثيقة الصلة بعلاقة الإنسان بالعالم المحيط به، والأيديولوجية – في إطار ذلك التوجه – تحاول الإجابة عن أسئلة ترتبط بوضع الإنسان في ذلك الكون،وفق شروطه الوجودية المطبقة في إطار سياق حضاري، (فالأيديولوجية – كما يقول أحد الباحثين – هي علاقة معيشة بين الإنسان والعالم) وربما يكون هذا التوجه مؤثرا في توليد بعض المصطلحات،التي كان لها تأثير فاعل،في شد مصطلح الأيديولوجية إلى دلالات قد تكون أكثر عمقا،مثل مصطلح (رؤية العالم)، الذي لا يقف عند حدود معاينة وضع الإنسان وفق سياقه التاريخي بوصفه حالة ساكنة،وإنما يستدعي – بالضرورة كما يقول جمال حمداوي- الأحلام والتطلعات التي يحلم بتحقيقها مجموعة أفراد لمجموعة اجتماعية معينة( فالأيديولوجية، حين ترتبط بوضع الإنسان الذي ينتمي إلى شريحة معينة، لا تقف عند حدود الإطار الواقعي، وإنما تمتد بالضرورة إلى نسق مثالي يتوجه إليه ذلك الفرد بشريحته الخاصة التي ينتمي إليها، لأن وضع الإنسان في مواجهة العالم في تجربة معيشة يشير إلى عملية فعل وانفعال، من خلال محاولة كل قسيم تطويع الآخر لتوجهاته وأفكاره.وفي مقاربة الأيديولوجيا في الرواية هناك نسقان، النسق الأول يقف عند حدود الوعي بهذا السياق الحضاري أو السياق الأيديولوجي، ويتوجه إليه بشكل مباشر، ومن ثم يتم الانتقال إلى النص الأدبي والتعامل معه، كأنه آلة تعكس بشكل مباشر هذه السياقات المختلفة،وفي ذلك السياق يكون الاهتمام منصبا على هذه الجزئيات التي تشير إلى واقع فعلى ملموس، بدون الاهتمام بكيفية تجليها، وفاعليتها في تقديم واقع فني . والواقع الفني المقدم في الرواية على نحو خاص يختلف – بالضرورة – عن الواقع الحياتي، فالصوت السردي في العمل الروائي – كما تقول إحدى الباحثات – ليس منتج أيديولوجيا، بل يمكن النظر إليه بوصفه أيديولوجيا، لأنه موجود في نقطة الاتصال بين الموقع الاجتماعي والممارسة الأدبية) إذن فالأيديولوجية التي يمكن مقاربتها في الرواية، قد تنطلق من معطى واقعي،ولكنها في تجليها وتشكلها يتكوّن لها ملامح خصوصية، تتشكل ملامح هذه الخصوصية من البناء، ومن ثم يجب أن ينصب اهتمام الباحث أو المتلقي على البنيات الشكلية، وليس بالأيديولوجية الواقعية أو التطبيقات الاجتماعية المرتبطة بالعمل السردي . إن الفارق بين التوجهين في مقاربة الأيديولوجية، فارق ينبع من توجه يرتبط بمقاربة هلامية،تحاول إثبات الترابط بين الموجود في النص الروائي، وبين سياق خارجي، تم تأسيسه سابقا، ويكون الاهتمام مرتبطا برصد ورود هذه الجزئيات، دون إشارة إلى طبيعة تجليها، التي تمنحها مغايرة ما، وتوجه لا ينطلق من جزئيات أسست سابقا، وإنما يحاول معاينة التشكيل السردي الذي يعطى – بالضرورة نتيجة للممارسة الأدبية – واقعا مختلفا . وقد ألح كثير من النقاد على قيمة هذا المنحى، ففلاشينوف يقول (إنه بدون الإشارات اللغوية،لا توجد أيديولوجيا) وفرانك أوكونور أشار (إلى أن أي فن حقيقي هو – بالضرورة – زواج بين أهمية المادة وأهمية المعالجة الفنية)
إن هذه الجزئية مهمة،لأنه ليس هناك مضمون ناجز بدون اللغة، ولا يمكن – أساسا – أن نتخيل وجود مدى دلالي دون استحضار اللغة، (فاللغة ليست فقط نظاما للملفات العقلية أو آلية لحمل الأفكار،وإنما اللغة تتكامل مع الفكرة بوصفها عملية استطرادية، اللغة والفكر يشاركان في إنتاج المعرفة .)
0 صباحا

Thursday, February 17, 2011

شعرية السرد في تفاحة الصحراء-القدس العربي

شعرية السرد الروائي في تفاحة الصحراء
عادل ضرغام
بعد قراءة رواية "تفاحة الصحراء" لمحمد العشري تنتاب المتلقي حالة غريبة من الفرح والغبطة والانكسار في الوقت ذاته، وسوف يجد المتلقي نفسه في حالة نشوة تتيح له استخدام ألفاظ بديعة وجديدة لوصف هذه الرواية. وسوف يحاول أن يقدم تفسيرات عديدة لتميز هذه الرواية، من هذه التفسيرات – على سبيل المثال – أنها تقدم صورة فيها نوع من الخصوصية للصحراء الغربية، ومنها - أيضاً – أنها تقدم وعياً مغايراً أو إحساساً مغايراً لوعي الكاتب بهذا العالم، ففي روايته الثانية "نبع الذهب" كان إحساس محمد العشري مشوباً بالدهشة التي هي أولى مراتب المعرفة كما يقول سقراط، أما في هذه الرواية، فقد تخلص محمد العشري من الدهشة، وحاول تقديم حالة معرفية جديدة تتيح له الإدراك الواعي بهذا العالم الصغير المتعلق بالصحراء والمرتبط – حتماً – بالعالم الكبير الذي نحيا فيه. ومنها – كذلك – لغة الرواية التي جاءت في لغة فريدة مقطرة تجمع بين الشعر والسرد الروائي، فالرواية - بالرغم من استخدامها لغة شعرية وما تتيحه من رسم صور خاصة – لم يتأثر اتساقها السردي، نتيجة لرسم الصور الشعرية المرتبطة بالشعر، فلغة الرواية يمكن أن نطلق عليها أنها تشع بجمالية التقرير، تلك الجمالية التي لا نستطيع تفسيرها، وإنما نشعر بها فقط من خلال فعل القراءة.
في رواية "تفاحة الصحراء" نجد أن الأسلوب السردي ليس أسلوباً عادياً، فهناك إطاران من السرد، أو هناك خيطان متوازيان في نسيج الرواية من البداية إلى النهاية، أو هناك عالمان مقدمان بالرغم من الفارق الزمني بينهما، ولكنهما يتواشجان فيما بينهما تواشجاً كبيراً.
ففي الإطار الأولى "إطار السرد الحياتي المعاصر"، تأتي شخصية الجيولوجي تامر الدكر الذي يعمل بالبريمة بطلاً لذلك الإطار، ومن خلال الرواية تتجلى سمات الشخصية الأساسية، فهذه الشخصية لديها وعيّ بالماضي التاريخي لهذا المكان "صحراء العلمين"، فقد كان أول ملمح يدخل إلى المتلقي عن عالم الرواية من خلال إحساس ذلك البطل الخاص بالمكان "هاجمته صورة المعركة الضارية، من مكانه شعر أن صفوفاً من الجنود والدبابات".. إن هذه الجزئية المقدمة عن إحساس البطل بالمكان وخصوصيته يحيل المتلقي إلى وعي البطل باللحظة الحضارية القديمة، ومدى تأثير هذا الوعي على إدراكه لمتغيرات الأمور في اللحظة الراهنة. وهذا الوعي الجديد قدمته الرواية في أجزاء عديدة من نصها، يتجلى ذلك في إدراكه لطبيعة وجود الإنجليز بشكل مغاير من خلال الشراكة بين المصري والأجنبي، يتجلى ذلك في الحوار بينه وبين جون:
جون: أراك تطبق دراستك للعلوم جيداً.
- أحاول أن أفهم بعض أسرار الطبيعة.
- أرضكم غنية.. فوق الأرض وتحتها كنوز لا نهاية لها.
- ابتسم موجهاً عينيه إلى عينيه مباشرة، أضفى على حديثه بعض المرح، قال: لذلك أنتم هنا.
وعلى هذا فإن الجيولوجي تامر الدكر يمثل الإنسان المثقف الذي يعي الماضي، وينطلق منه لرؤية الحاضر المعيش، ولذلك نجد الرواية تفصح عن ذلك المنحى حين تقول في ص72 "وكان تامر يشعر من آن لآخر أن عليه واجباً ما ولا بد أن يرى ما يفكر فيه هؤلاء الأجانب العاملون معه"..
إن الإطار السابق للسرد يتداخل ويتماهى مع إطار سردي آخر يمثله شخصية الشاب عبد الرحمن، والذي تحول في إطار السرد المعاصر إلى الشيخ عبد الرحمن عامل المقابر أو مساعد كيوديني الإيطالي. فهذه الشخصية أو ذلك الإطار يدخلنا إلى جزئية الحرب العالمية الثانية، وتتجاوب مع الوعي المعرفي للبطل في الإطار الأول تامر الدكر، ومع ما قدمته الرواية من خلال استخدام المذكرات التي أُفرج عنها حديثاً، لتقديم صورة عن طبيعة حياة البدو في تلك الفترة، وعن طبيعة العلاقة الناعمة بينه وبين الملازم دونا ماكسويل.
إن وجود الإطارين وتوازيهما في السرد الروائي، لا يعني – بالضرورة – إن هناك إطاراً أساسياً، وآخر يمكن أن نعده إطاراً فرعياً، فالرواية لا تنحاز لخيط دون آخر، وإنما يمتد الإطاران معاً في حالة عناق وتوازٍ دائمين، لكي يخلقا إحساساً خاصاً بالمكان. فالمكان في هذه الرواية يمكن أن نعده بطلاً أساسياً، فمن خلال الوصف أدركنا طبيعة هذه الصحراء التي تشكل صفات وملامح ساكنيها، وأدركنا طبيعتها الغولة، وأدركنا طبيعة النباتات مثل "الغرنبوس – الميدك الحولي – الترقاس"، وحية الطريشة.
ومن جزيئات المكان سوف تظهر جزئية أخرى تتعلق "بالجمل" القائد الذي يقود الجمال الأخرى في الصحراء، فهذا الجمل من خلال صورته الممتددة من بداية الرواية إلى نهايتها – والممتد عمره من الحرب العالمية الثانية إلى الوقت الحاضر – يمكن أن نعده بطلاً من أبطال الرواية، فهذا الجمل يتأمل عمال البريمة ويقارن بين سلوكهم غير المؤذي بسلوك أصحاب الحرب العالمية الثانية "يتحدث عنها كبيرها وهو يحكي عن الجنود الذين عاصرهم، وكيف كانوا يحيلون النهار إلى ليل أسود بسحبهم، والليل إلى نهار أحمر ملتهب بالنيران" أو قوله في ص18 "الجملان يتباحثان مشكلة الكائنات الغريبة".
إن الصورة النابضة والتي تحمل سمات الكائن العاقل المقدمة للجمل، والتي تجعله يقف على بساط واحد – من حيث الامتداد الزمني من الحرب العالمية الثانية إلى الوقت الحالي – مع الشيخ عبد الرحمن، سوف تجعلنا ننتبه إلى جزئية مهمة في روايات محمد العشري، الروائية بصفة عامة، وفي هذه الرواية بصفة خاصة، وهي صفة إضفاء الحياة على الماديات المحيطة، وهذه جزئية ربما نابعة من طبيعة الروائي الخاصة، التي تضفي وحدة خاصة على الأشياء، وربما تكون نابعة من طبيعة البطل وطبيعة عمله بوصفه جيولوجياً يتأمل الأحجار بشكل خاص.
تفاحة الصحراء من خلال هذا البناء السردي الخاص ترتبط بمقاربة جزئيات فكرية لها نوع من الخصوصية، خاصة في أطار اللحظة الزمنية، التي يتماهى العمل الروائي في إطارها بالرغم من الفارق الزمني بين الإطارين، أولى هذه الموضوعات يتعلق بالصراع الحضاري بين الشرق والغرب، وفي تلك الجزئية يجب ألا تخدعنا العلاقة الناعمة بين الشاب عبد الرحمن ودونا ماكسويل، والرواية في تقديمها لتلك العلاقة أفصحت عن الإعجاب الشكلي فهي بالنسبة للشاب عبد الرحمن حالة مباينة للمعهود، وغير الموجود في بيئته الصحراوية، وهو بذلك يتماس مع الوعي السائد في تلك الفترة، فالثقافة العربية في تلك الفترة كانت تمر بوعي مغاير يعبر عن الدهشة المشوبة بالإعجاب. وهي بالنسبة لدونا ماكسويل تمثل نمطاً مغايراً في حالة الحرب، فجاء الإعجاب الخارجي الذي لم يفض إلى تداخل.
ولكن الرؤية الحقيقية لصورتنا لدى الغرب تتمثل في مواقف عديدة أشارت لها الرواية، ولكننا سوف نختار منها – على سبيل المثال – موقفين، يدلان على صورتنا لدى الغرب، الموقف الأول يرتبط بمقتل البحارة الليبين بدلاً من علاجهم، حتى لا تنتشر العدوى بين جنودهم، وهذا سلوك يجعلنا أقرب إلى الحيوانات التي ليس لها وزن أو قيمة. أما الموقف الثاني فيتمثل في الوثيقة التي أخرجها مكتب الوثائق بعد فترة طويلة من الكتمان "والوثيقة عبارة عن خطة عبقرية قدمها بطل الحرب لحكومة العمال حينئذ لتحويل قارة أفريقيا إلى ثلاثة إتحادات فيدرالية يسيطر عليها البريطانيون، ووصف الأفارقة بأنهم همجيون بشكل مطلق، وغير قادرين على تطوير بلادهم".
هذه الرؤية تنطلق من رؤية متعالية للآخر، بوصفه أقل فكراً وقدرة على تسيير أمور نفسه بنفسه، فالآخر – من وجهة نظرهم – في حاجة دائماً إلى قائد يدبر له أموره.
إن الرؤية السابقة تمارس تأثيرها ودورها في ظهور قضية جديدة عرضت لها الرواية بشكل مؤثر، وتتمثل في صورة الاستعمار الجديد، وذلك بعد انتهاء صورة الصراع التقليدي، المتمثل في الحروب والاحتلال، ويتمثل الاستعمار الجديد في الشراكة الاقتصادية بين شركات مصرية وشركات أجنبية، فالشريك الأجنبي له امتيازات ليست متاحة للمصري، ولنقارن بين موقف الشركة من جون الأجنبي، حين فقد بعض أصابعه، حيث حصل على ميلوني دولار، وبين موقفها من المصري عامل البريمة، الذي صدمته البريمة، الذي لم يحصل على شيء، بل حاول الخبثاء إسناد الخطأ إليه، حتى لا تعالجه الشركة على نفقتها، والمفارقة الواضحة بين الموقفين تتساوق مع التعنيف الشديد الذي تعرض له الجيولوجي تامر الدكر، على فعلته بخروجه مع جون للصيد.
وتتساوق مع القضية السابقة قضية الألغام التي زرعها مونتجمري في صحراء العلمين وهو في حالة فرار "فمع الهرب يلقي الهارب كلّ حمولته خلف ظهره دون أن ينظر أو يفكر في أي مكان ستقع". إن هذه الإشارة – نقصد حالة الفرار – تشير إلى عدم وجود الخرائط التي تسهل إلى حدّ كبير عملية التطهير "أكثر من مليون لغم منتشرة هنا كيف سنطهر هذا العدد الخرافي"..
إن المتأمل لهذه القضية كما عرضتها الرواية يشعر بقيمة عرض الموضوع في رواية أدبية، بعد أن تم عرضها في فيلم سينمائي حديثاً، هذا العرض يشكل حالة حضارية ملحة، لكي تتم مطالبة هذه الدول أولاً بإزالة الألغام، وثانياً بالمطالبة بتعويض لعدد كبير من المصريين الذين راحوا ضحايا للكائن الخرافي المتمثل في اللغم.
وفي هذه الجزئية سوف تصدمنا الرواية من خلال المفارقة الحادة بين نزوع الأجانب في المطالبة بحقوقهم، فجون – وهو ينتمي إلى الدولة التي زرعت الألغام – أخذ تعويضاً عن إصابته السطحية. هذه الصورة تتباين مع موقف المصريين حين يصيب اللغم أفراد البدو في ذلك المكان "إن ذلك الحادث يحدث مع البدو يومياً دون أن ينتبه أو يتحرك أحد، ويتم التعامل مع ما يقع بالتجاهل كأنه أمر طبيعي، وأنهم هم المخطئون، لأن القليل منهم يجهلون خطورة ما بين أيديهم".
يتبقى أن نشير إلى جزئية أخيرة عرضت لها الرواية في ثنايا السرد، وتتمثل في صورة الإدانة التي تقدمها الرواية للمؤسسة أو الدولة في التعامل مع هذا المكان، فالرواية تقدم المكان وكأنه كان نسياً منسياً، ولولا حرب العلمين في الماضي لما شعر المصريون بوجود ذلك الجزء من أرضهم، ولولا البترول في الحاضر – الذي يمكن أن يتماس مع عنوان الرواية – لما كان هذا الاهتمام الظاهري في الوقت الحالي.
والرواية حين تقدم هذه الإدانة إلى المؤسسة أو الدولة، تجعل الإدانة منصبة إلى عدم الرقي بالمكان وأهله اجتماعياً، يتجلى ذلك في الحوار بين الشيخ عبد الرحمن والشيخ حمد، حين تقول على شباب ذلك المكان "إن الناس لا يعرفون شكل الجنيه"، وفي الحوار الممتد بين كيوديني الإيطالي والشيخ عبد الرحمن "إن المقابر أفضل من البيوت التي تجاورها"، وفي قول راغب القابس بعد سرقته جثة عمه، ودفنها في مقابر العلمين "أخيراً سترقد في مكان يليق بك.. هيا إلى الجنة".
وحين نتأمل نزوع الأجانب مع أمواتهم في الاحتفال السنوي، لكي يقولوا لهم أننا لم ننس تضحيتكم من أجلنا، ونقارنها، بين نزوع الدولة، التي لم تحاول أن ترقى بأهل المكان اجتماعياً، مع هذا المكان سنشعر بالسخرية الممرورة.
وعلى هذا فالاهتمام بهذا المكان قائم على استخراج الثروات فقط، دون أدنى محاولة للاهتمام بهؤلاء الناس الذين هم أبناء الوطن، الذين يجب أن نرقى بهم اجتماعياً وثقافياً.
إن رواية محمد العشري "تفاحة الصحراء" تأتي في النهاية لكي تؤكد على أن مبدعها قد وصل إلى إبداع لغة شديدة الخصوصية والتميز، وشديدة التقطير، مملوءة بتجارب إنسانية لا تحصى ولا تحد، وتثبت – أيضاً – أن الكاتب وصل إلى مرحلة التوهج الفطري الذي سوف يظهر أثره أكثر وضوحاً في أعماله القادمة.

*د. عادل ضرغام
ناقد وأكاديمي مصري

Sunday, December 5, 2010

جريدة المدينة السعودية المنحى الأخلاقي في التحليق حول الوهج لعبدالله المطمي


المنحى الأخلاقي في التحليق حول الوهج لعبدالله المطمي
عادل ضرغام
هل يمكن الحديث في اللحظة الآنية التي نحياها عن نزوع نحو الأخلاقية في الفن بتجلياته العديدة، على الرغم من أن هذا النزوع الأخلاقي في الفترة الآنية وفي فترات سابقة بعيدة، أصبح كل المبدعين يفرقون من أن ترتبط أسماؤهم بهذا المنحى، خاصة بعد شيوع نظريات تحاول أن تقضي على شرعية هذا المنحى، فأصبح وجود الرسالة بشكل عام، والمنحى الأخلاقي بشكل خاص في عمل إبداعي ما سببًا من أسباب النقد الذي يوجه إليه.إن الحديث السابق ربما يكون ضروريًّا ونحن نتوقف أمام مجموعة التحليق حول الوهج للقاص عبدالله المطمي، فقارئ هذه المجموعة القصصية سيدرك أنه أمام حالة نادرة تقدمها قصص المجموعة خاصة إذا كان على وعي بطبيعة الكاتب وسلوكه وتكوينه. فقصص المجموعة كاشفة للصفاء الإنساني النبيل، الذي يظل –في مقاربته لجزئيات الواقع وتكوينه البراجماتي– على هيئة واحدة، دون تغيير، أو دون وجود جزئيات بسيطة تهشم صفاء الأنموذج أو جمال الأيقونة، التي يرسمها المتلقي للكاتب.وليس معنى هذا أنني أنطلق في مقاربتي للمجموعة من خلال صورة خاصة رسمتها للكاتب، وإنما معناه أن قصص المجموعة تشير إلى شخص له طبيعة خاصة، لا يتبرم على نسق مسيطر يرفضه البعض، وإن أشار إلى مجموعة أنساق لها فعل السيطرة والشيوع، هو –فقط- يكتفي بعرضها تاركًا الحكم للقارئ دون أدنى محاولة لتوجيه القارئ نحو وجهة نظر معينة، وهو كذلك لا يتسلق – كما يفعل كثيرون من كتاب القصة القصيرة والرواية في المملكة العربية السعودية في اللحظة الآنية- بالإلحاح على جزئيات مسكوت عنها، ويضعها في بؤرة التركيز والتحليل، هو –فقط- يكتب وعيه دون رطانة زائفة، ودون بهارات قد تكسب هذا العمل اهتمامًا وقتيًا.والمنحى الأخلاقي لدى عبدالله المطمي ليس منحى وعظيًا، وإنما هو منحى تأملي قائم على الملاحظة الصامتة، يؤيد ذلك أن أغلب قصص المجموعة -إن لم يكن كلها- جاءت من خلال ضمير الغياب، الذي يخرج الذات من بؤرة التركيز، ويجعل الاهتمام منصبًا على نسق موضوعي عام.تتجلى ملامح ذلك النسق الأخلاقي من خلال عدة جزئيات جاءت فاعلة في تشكيل المجموعة، منها اختيار الأنموذج الكاشف، الذي ينضوي في إطاره أفراد عديدون، ففي تشكيله لهذه النماذج لا يتوجه إلى نماذج آنية معاصرة، وإنما ينتقي نماذج من لحظات سابقة، لكنها ما زالت مملوءة بالحرارة والوهج لما تشكله داخل المتلقي من نزوع لمعاينة نماذج بائدة بسحرها واختلافها عن نماذجنا الهشة الآنية.ففي قصة الرحلة الحلم يرتبط تشكيل الأنموذج بامرأة عجوز وحيدة فقيرة تقتات من بيع بيض دجاجاتها، تضع القرش على القرش انتظارا لرحلة الحج الذي حلمت بها طويلا، فقد أصبحت رحلة الحج حلما يزداد توهجا كلما دنا موعدها. إن اختيار هذه المرأة بوصفها أنموذجا لكثيرات ينتمين للحظات سابقة اختيار لحالة وجدانية قديمة، ما زال النزوع إليها مشروعا، في ظل سيطرة نماذج آنية زائفة، فهي تمثل حنينا لصفاء وإيمان تامين.ويبدو أن إلحاح الكاتب على النماذج المملوءة بالصفاء التام، المبني على المعرفة الشفهية، التي تنتقل من جيل إلى جيل دون الحاجة إلى القراءة، أو التأثر بتوجهات فلسفية خاصة كان له تأثير في تشكيل أنموذج آخر، ففي قصة (الرجل الصامت )يأتي الأنموذج مرتبطا بنوع خاص من البطولة التي توجد في كل القرى، بحيث تتكاتف سمات معينة لتشكيله، منها المعرفة القائمة على التجريب، وقدرته على أداء أعمال غيره من البشر، حضوره الذي يجمع الآخرين حوله، ردوده وتعليقاته اللاذعة، رحيله بهدوء.المتأمل للأنموذجين السابقين يدرك أنهما أنموذجان لهما يقين خاص ليس مبنيا على القراءة أو المعرفة المحددة بأطر معروفة، وإنما هي معرفة كونت تدريجيا بفعل التجربة والمعايشة والارتباط بالآخر بشكل يحدده الأنموذج، وبفعل اليقين الذي لا ينفصل على المعرفة، والذي أثر على لحظة النهاية لدي كل أنموذج، فالمرأة ماتت ساجدة في الحرم بعد تحول الحلم إلى حقيقة وأداء فريضة الحج، والرجل الذي يشبه نماذج عديدة في كل القرى رحل بهدوء ودون جلبة واضحة.إن بناء الأنموذج يشكل انتصارا للهامش القروي، بعيدا عن المتن الذي تحتل المدينة فيه الوجود الأكبر بقيمها الخاصة، والانتصار للهامش لا يعني تقديم نماذج لافتة للنظر بغرابتها، بقدر ما هو تسجيل وإعلان انتساب لتلك الكيانات المميزة بيقينها وبمعرفتها الخاصة.ومن الأشياء اللافتة في المجموعة وتأتي وثيقة الصلة بالمنحى الأخلاقي الخاص في المجموعة، تصويره لبعض الأنساق الاجتماعية، وهي أنساق لا يرضى عنها أغلب الكتاب والمبدعين، ومازالت –بالرغم من خفوت بعضها– مثار شد وجذب. فقصص المجموعة لا تقدم وجهة نظر يحاول من خلالها الكاتب أن يجعل القارئ متساوقا معها أو مرتبطا بها كما يفعل الآخرون من خلال آليات التحفيز، وإنما نجده يقدمها في إطار سياقها الخاص المرتبط بدلالتها في عرفها الاجتماعي. ففي قصة (الختان) لا يلمح القارئ أي صدى لعدم الرضا بهذا النسق، فهو يقدمها لكي يختزنها بوصفها دالة على مرحلة سابقة، وهو بذلك لا يشعر القارئ بمحاولة الانفلات من هذا النسق أو التبرم عليه، بل على العكس من ذلك نجده يشعرك بالاطمئنان والانتساب إليه. وقد كان هذا النسق الخاص له حضور لافت لدى كتاب القصة والرواية في المملكة، كما في رواية ساق الغراب، وفي مجموعة (تلك التفاصيل) لحسن الحازمي التي تنتمي مجموعته لهذا التوجه الأخلاقي، في قصة حسن حجاب الحازمي نجده يسير في الإطار ذاته لكنه في النهاية يتبرم تبرما هادئا، وذلك من خلال إشعار المتلقي بوفاة الشخص الذي أجريت له عملية الختان.إن هذه الآلية الخاصة بتغييب وجهة النظر حول الأنساق، التي ما زال الاختلاف حولها قائما، ظلت حاضرة وفاعلة في مقاربة جزئيات وأنساق أخري اجتماعية عرفية، مثل جزئية العنوسة في قصة البشارة، أو عمل المرأة في قصة انفراج، أو قيادة المرأة السيارة في قصة التحليق حول الوهج. وهذا التغييب ليس متعمدا خوفا من بطش أو زهدا في شهرة يجليها الارتباط بهذه الجزئيات من خلال رفضها والتبرم عليها، وإنما هو نزوع أسسه تكوين فردي ما زال متجذرا في ذلك الإطار، وليس لديه ترف الابتعاد عنه أو التبرم عليه.يتبقى أن نشير إلى أن هناك مجموعة كثيرة من القصص تنتمي إلى الشكل المكتنز أو المكثف، والذي يسمى القصة القصيرة جدا، وفي إطار ذلك المنحى الإبداعي يحدث تغييب للحدث وللسرد المتنامي، ويظهر نتيجة لذلك اهتمام خاص بالفكرة وهيمنة لها، بحيث تغدو بؤرة التوجه الأولى في ذلك النوع من القصص.ففي قصة رضوخ على سبيل المثال، لا يلمح المتلقي سردا تراتيبيا أو بناء سرديا، وإنما يتم التوجه مباشرة للفكرة، حيث يتجلى للقارئ طبيعة ذلك الرضوخ، فهو ليس رضوخا قائما على انكسار خاص قد يتوقعه القارئ، وإنما يرتبط ذلك الرضوخ –الذي أصبح داخليا– بمعاينة تحول من الزوجة تجاه زوجها تحولا داخليا يجعلها تقارب ما في زوجها من سمات خاصة ومشاعر دافقة، ومن ثم يحدث التغيير داخليا. فإذا كان النفور داخليا فإن متعة مقاربة معاينة الجمال أو الارتباط به تدريجيا تتم بشكل داخلي لا يشعر به إلا تلك المرأة.إن هذا النسق الإبداعي الذي يرتبط في الأساس بسيطرة للفكرة وتغييب آليات السرد المؤسسة بفعل الكتابة الإبداعية يؤثر بالضرورة على البناء السردي، الذي جاء مكثفًا ومكتنزًا إلى حد بعيد، فهذه القصص تبني حضورها وإشعاعها الدلالي على المفارقة، كما يتجلى في قصة ندم وقصة وداع، وقصة إياب. ففي قصة ندم تتشكل حدود الفكرة في إطار فاعلية الزمن، ودوره في تغيير المواقف والأدوار والتوجهات من خلال صورتين تشكلان المفارقة، الصورة الأولى ترتبط بامرأة ما، لها جمال فاتن، يجعلها تماطل في عروض الزواج، وترفض كل الأصوات الناصحة. أما الصورة الثانية والأخيرة والتي تولد المفارقة فهي صورة المرآة، التي تضع لهذه المرأة من خلال الإشارة إلى الشعرات البيضاء، في إطار خاص من الندم، وكأن المفارقة وهي وثيقة الصلة بكل أدب له قيمته تطهرنا وتطهر نظرتنا للحياة
.

Monday, August 16, 2010

نظريات جديدة في السردية الروائية-جريدة الثورة إبراهيم حسو

نظريات جديدة في السردية الروائية

كتب
الأربعاء 11-8-2010م
إبراهيم حسو

يبدأ الباحث المصري عادل ضرغام في كتابه التحليلي الجديد (في السرد الروائي) بما يشبه لملمة الاتجاهات النقدية الحديثة في الرواية العربية الجديدة ضمن منحى واحد هو مقاربتها بالتوجه الأيديولوجي عبر دراسة روايتين عربيتين هما ( الحب في المنفى ) لبهاء طاهر و( النيل الطعم والرائحة ) لإسماعيل، فهد إسماعيل،

ويأتي هذا المنحى الأيديولوجي كقيمة بحد ذاتها وكفنية تتناول الشكلين الداخلي والخارجي ولكليهما تأثير مباشر على السرد الروائي، وكذلك على السياق البنائي سواء أكان هذا البناء تصاعدياً أم متحولاً، ويبدو أن ثيمة التحول هي التي تقود الرواية العربية إلى هندسة وجودها وتسيطر على تاريخها ومستقبلها ويقصد الباحث بالتحول وجود مركزية الصوت السردي السلطوي التي تهيمن على مسار السرد الروائي وتتحكم بشخصياته وحتى بمجرى أحداثه، وكل ذلك في سبيل مكاشفة القيمة الفكرية والتوجه الأيديولوجي فيها، وتوقف الباحث طويلاً عند هذه النقطة بعد تعريفه لمصطلح (التوجيه السردي) التي يعرفه ( أن مقاربة الرواية أو على توجه قد يكون أكثر منهجية أيديولوجية الرواية، يجب أن ترتبط بمعاينة البناء، والاتكاء على آلية سردية فاعلة، كان لها دور في تغذية القيم الأيديولوجية وتشكيلها”.‏

إلى جانب أكثر أهمية من نظريات التحول والتصاعد يتوجه الباحث في بحث مثير ويدعو التساؤل إلى نظرية ( آلية الوعي ) التي تكشف عن العالم الداخلي للشخصيات وتعبر عن وعيها وثقافتها وتأثيرها ضمن محيطها الاجتماعي والإنساني، ويعيب الباحث هنا على الروائيين العرب الجدد إضمار ثقافة شخصياتهم ومرتبة وعيهم غارقين في الوصف الخارجي والأحداث التفصيلية التي غالباً ما تحمل ثرثرات مجانية لا طعم لها ولا صوت ولكنه في الوقت نفسه يشيد برواية ( النيل الطعم والرائحة ) وبأنها أكثر الروايات التي بنيت على التشكيل التصاعدي أو التراتبي لوعي شخصياتها ويعتبرها رواية المكاشفة بين الروائي والشخصية وبين الحدث وتفصيلاته السردية، ويجعل من تنامي وتحولات شخصياتها إلى الحس المعرفي والقناعات الأيدولوجية التي يحملها الروائي ويؤمن بها كوجهة رأي مفترضة.‏

ويعرج الباحث على المناهج وأساليب السرد الروائي المستجدة التي تنبثق بدورها من تلاقح وتعاطف السرد الروائي في الستينيات مع التقنيات الجديدة القادمة من أوروبا ككتابات الروائيين في أمريكا الجنوبية وتحصين هذه التجارب بطابع محلي يطغى عليها الخاصية الفردانية التي تلخص من خلالها مشكلات الإنسانية بأجمعها، ويرى الناقد المصري عادل ضرغام في بحث آخر عن ضرورة إنشاء مرئيات سردية مبتدعة وتشكيل رؤى مرادفة لها كعمليات تعدد الأصوات وتنوع المظهر والتشديد على لغة الخطاب الروائي ومؤازرته بجماليات اللغة (الشعرية ) أو ما يسمى بجماليات ( القص الشعري ) وفي القسم الأخير من البحث يحاول الباحث مجدداً اقتراض نظريات جديدة من التجارب الروائية العالمية عبر السير الذاتية وظاهرة الروائي (المتحول ) الداخلي والرواية الإشكالية التي تنفي الجنس المنجز ودعوة إلى إلغاء فكرة الجنس الأدبي الواحد ذات الشكل التقليدي المستمر، ويذكر الكثير من التجارب الروائية التي كتبت بقصد اعترافات شخصية أو يوميات دوّنت كتعبير عن مرحلة عمرية تقل فيها الكثير من المغامرات والأسرار والبواطن ويعتبرها الباحث خزينة المفاجآت اللامتوقعة من كتّاب كبار حققوا خلال مسيرتهم الإبداعية روايات لم تستطع الاقتراب من شخصيات رواياتهم مثل ما هم منغمسون في ذواتهم ونزواتهم.‏

يبقى كتاب (في السرد الروائي) من أهم الكتب النقدية التي تلخص مشكلات السرد الروائي العربي، وتبرز أيضا الحلول الجديدة وأساليب أخرى تساهم في اتساق الأنموذج الروائي وإحداث نوع من الانسجام المكثف في نظام بنائه الجديد.‏

(في السرد الروائي ) دراسة - عادل ضرغام - الدار العربية للعلوم وبالتعاون مع منشورات الاختلاف 2010.‏

Thursday, July 1, 2010

في السرد الروائي- جريدة الوطن السعودية خالد الأنشاصي

في السرد الروائي

محاولة للكشف عن البناء المتساوق مع التوجه الأيديولوجي
يحتوي كتاب "في السرد الروائي"، الصادر حديثاً عن "الدار العربية للعلوم ناشرون" للناقد الدكتور عادل ضرغام، على دراسات ثلاث يتوقف خلالها المؤلف عند تلك الخصوصية المرتبطة بالفن الروائي، بوصفه جنسا أدبيا له حضوره المتميز، من خلال بعض الدراسات التي تحاول الإفادة من تلك الخصوصية، المرتبطة بتقديم أنساق جاهزة للقارئ فيتحاور معها معارضا أو موافقا انطلاقا من توجهه الفكري والأيديولوجي. وربما كان لفكرة الأيديولوجيا أثر كبير في ذلك الكتاب، فالدراسة الأولى (التوجيه السردي في رواية "الحب في المنفى" لبهاء طاهر)، والدراسة الثانية (تشكيل الأيديولوجيا في رواية "النيل الطعم والرائحة" للكاتب إسماعيل فهد إسماعيل) تصبان في إطار توجه شديد الخصوصية بحيث يرتبطان برصد بطلين مأزومين متساوقين بنسق قديم، ويؤمنان بشرعية وجود ذلك النسق، في ظل وجود وسيادة نسق مباين. وتأتي الدراسة الأولى منطلقة من فعل التوجيه، بوصفه آلية فاعلة تتيح للكاتب - وهو يقف على حافتي الواقع الفعلي والواقع الفني - أن يؤسس بناءً روائياً متساوقاً مع رؤيته الفكرية وتوجهه الأيديولوجي. وفي هذا السياق يقول المؤلف: "هذا التوجه في مقاربة الرواية يلقي بظلاله على الطريقة التي يمكن أن نقارب بها القيم الأيديولوجية في رواية ما. هل ترتبط هذه المقاربة بمعاينة واقع فعلي، ثم البحث عن هذا الواقع في النص الروائي، وكأن هذا النص يقدم الواقع الفعلي، بوصفه آلة منتجة ساكنة لا تغير في طبيعة هذا الواقع؟، أم إن هذا التناول يجب أن يرتبط بمعاينة ومقاربة آلية فنية فاعلة، يكون لها الوجود وفعل السيطرة والتشكيل لبنى فكرية، ويكون ذلك هو الأساس، لأنه قبل إنجاز العمل الأدبي- والعمل الروائي على نحو خاص – لا يمكن الحديث عن أيديولوجيا، فالعمل الروائي لا ينتج أيديولوجيا، هو – فقط - يسهم في صيرورتها نحو الذيوع والانتشار أو نحو التهميش والانطفاء. والآلية الفاعلة في رواية بهاء طاهر، والتي تشكل نمط ومعمارية البناء، تتمثل في انبناء السرد في إطار تصاعدي مع وجود ذاكرة منفتحة، وهذا البناء وثيق الصلة بمعاينة التحولات بين ماض سابق وحاضر آني له فعل السيطرة والهيمنة، ويتجلى ذلك في تشكيل الشخصيات وتحولها من نسق إلى نسق آخر". أما الدراسة التالية فهي ترتبط بالتوجه السابق، حيث تم التوقف عند آلية تيار الوعي، بوصفها الآلية الفاعلة المتحكمة في تشكيل العمل، وقد كان لها تأثير على الشخصية المقدمة، التي قدمت بشكل مفتت يحتاج إلى من يجمعها، لكي تتكون له في النهاية صورة شبه كاملة عن البطل أو عن الشخصية الرئيسة. وقد أثرت هذه الآلية – كما يقول المؤلف - على طبيعة الراوي في الرواية، فالراوي في رواية تيار الوعي له – إن وجد – وجود خاص، وذلك لأن منطق سيطرته على منطق البناء ووجهة النظر- في إطار رواية تيار الوعي- يكاد يكون محدودا. ولكن رواية النيل الطعم والرائحة لا تُبنى فقط على نسق أو آلية تيار الوعي، فتيار الوعي يطل آلية فاعلة في إطار وجود سرد تراتبي تصاعدي، ولهذا فوجود الراوي في إطار السرد التتابعي له نوع من المشروعية، وإن كان لا ينفرد وحده بوجهة النظر أو بزمام البناء، وإنما يوجد ما يمكن أن نسميه الصوت المشترك أو المتوحد بين الراوي والشخصية. وقد مكنت آلية تيار الوعي القارئ من معاينة نسقين، نسق قديم متوار، ونسق جديد. والشخصية الرئيسة – وإن لم تعلن انتماءها إلى النسق القديم- إلا أنها تتساوق معه، وتحاول من خلال فعل خاص تهشيم النسق السائد الآني، وتثبيت النسق القديم. أما الدراسة الأخيرة فهي تحاول تقديم تجليات نظرية وفكرية لجنس السيرة الذاتية، ويرى المؤلف هنا أن التصور - أو التجلي الأول - التاريخي، يحكم على السيرة الذاتية – انطلاقا من مؤسسات ومقدسات تتصل بحدود الأنواع الأدبية الكلاسيكية- بأنها جنس هجين غير مستقر ومنفتح على أجناس أخرى. أما التصور البنيوي فهو يهتم – انطلاقا من توجهه الخاص الذي يهتم بالبنية ولا يهمل الجنس التاريخي – بالتشكيل المنجز في لحظة ما، ومن ثم نجد أصحابه ينطلقون من جزئية تحليل البنية، للوصول للعنصر الفاعل، وقد كان هذا التوجه فاعلا في مقاربة السيرة الذاتية، لأنه يبحث عن عنصر مهيمن، ليس له صفة الثبات الموجودة في الآليات أو الأسس الموجودة، التي حددها التصور الكلاسيكي لنظرية الأجناس الأدبية. أما التوجه الأخير المرتبط بجنس السيرة الذاتية فهو التوجه المرتبط بنظريات ما بعد الحداثة، وهذه النظريات حاولت – برأي المؤلف - أن تنزل نظرية الأجناس الأدبية من كيانها الفوقي المتعالي، خاصة وهذه النظريات تنطلق من نفي فكرة الأصل الثابت، ونفي الجنس المنجز.

في السرد الروائي- جريدة الوطن السعودية

أبها: خالد الأنشاصي

يحتوي كتاب "في السرد الروائي"، الصادر حديثاً عن "الدار العربية للعلوم ناشرون" للناقد الدكتور عادل ضرغام، على دراسات ثلاث، يتوقف خلالها المؤلف عند تلك الخصوصية المرتبطة بالفن الروائي، بوصفه جنسا أدبيا له حضوره المتميز، من خلال بعض الدراسات التي تحاول الإفادة من تلك الخصوصية، المرتبطة بتقديم أنساق جاهزة للقارئ فيتحاور معها معارضا أو موافقا انطلاقا من توجهه الفكري والأيديولوجي. وربما كان لفكرة الأيديولوجيا أثر كبير في ذلك الكتاب، فالدراسة الأولى (التوجيه السردي في رواية "الحب في المنفى" لبهاء طاهر)، والدراسة الثانية (تشكيل الأيديولوجيا في رواية "النيل الطعم والرائحة" للكاتب إسماعيل فهد إسماعيل) تصبان في إطار توجه شديد الخصوصية بحيث يرتبطان برصد بطلين مأزومين متساوقين بنسق قديم، ويؤمنان بشرعية وجود ذلك النسق، في ظل وجود وسيادة نسق مباين. وتأتي الدراسة الأولى منطلقة من فعل التوجيه، بوصفه آلية فاعلة تتيح للكاتب - وهو يقف على حافتي الواقع الفعلي والواقع الفني - أن يؤسس بناءً روائياً متساوقاً مع رؤيته الفكرية وتوجهه الأيديولوجي. وفي هذا السياق يقول المؤلف: "هذا التوجه في مقاربة الرواية يلقي بظلاله على الطريقة التي يمكن أن نقارب بها القيم الأيديولوجية في رواية ما. هل ترتبط هذه المقاربة بمعاينة واقع فعلي، ثم البحث عن هذا الواقع في النص الروائي، وكأن هذا النص يقدم الواقع الفعلي، بوصفه آلة منتجة ساكنة لا تغير في طبيعة هذا الواقع؟، أم إن هذا التناول يجب أن يرتبط بمعاينة ومقاربة آلية فنية فاعلة، يكون لها الوجود وفعل السيطرة والتشكيل لبنى فكرية، ويكون ذلك هو الأساس، لأنه قبل إنجاز العمل الأدبي- والعمل الروائي على نحو خاص – لا يمكن الحديث عن أيديولوجيا، فالعمل الروائي لا ينتج أيديولوجيا، هو – فقط - يسهم في صيرورتها نحو الذيوع والانتشار أو نحو التهميش والانطفاء. والآلية الفاعلة في رواية بهاء طاهر، والتي تشكل نمط ومعمارية البناء، تتمثل في انبناء السرد في إطار تصاعدي مع وجود ذاكرة منفتحة، وهذا البناء وثيق الصلة بمعاينة التحولات بين ماض سابق وحاضر آني له فعل السيطرة والهيمنة، ويتجلى ذلك في تشكيل الشخصيات وتحولها من نسق إلى نسق آخر". أما الدراسة التالية فهي ترتبط بالتوجه السابق، حيث تم التوقف عند آلية تيار الوعي، بوصفها الآلية الفاعلة المتحكمة في تشكيل العمل، وقد كان لها تأثير على الشخصية المقدمة، التي قدمت بشكل مفتت يحتاج إلى من يجمعها، لكي تتكون له في النهاية صورة شبه كاملة عن البطل أو عن الشخصية الرئيسة. وقد أثرت هذه الآلية – كما يقول المؤلف - على طبيعة الراوي في الرواية، فالراوي في رواية تيار الوعي له – إن وجد – وجود خاص، وذلك لأن منطق سيطرته على منطق البناء ووجهة النظر- في إطار رواية تيار الوعي- يكاد يكون محدودا. ولكن رواية النيل الطعم والرائحة لا تُبنى فقط على نسق أو آلية تيار الوعي، فتيار الوعي يطل آلية فاعلة في إطار وجود سرد تراتبي تصاعدي، ولهذا فوجود الراوي في إطار السرد التتابعي له نوع من المشروعية، وإن كان لا ينفرد وحده بوجهة النظر أو بزمام البناء، وإنما يوجد ما يمكن أن نسميه الصوت المشترك أو المتوحد بين الراوي والشخصية. وقد مكنت آلية تيار الوعي القارئ من معاينة نسقين، نسق قديم متوار، ونسق جديد. والشخصية الرئيسة – وإن لم تعلن انتماءها إلى النسق القديم- إلا أنها تتساوق معه، وتحاول من خلال فعل خاص تهشيم النسق السائد الآني، وتثبيت النسق القديم. أما الدراسة الأخيرة فهي تحاول تقديم تجليات نظرية وفكرية لجنس السيرة الذاتية، ويرى المؤلف هنا أن التصور - أو التجلي الأول - التاريخي، يحكم على السيرة الذاتية – انطلاقا من مؤسسات ومقدسات تتصل بحدود الأنواع الأدبية الكلاسيكية- بأنها جنس هجين غير مستقر ومنفتح على أجناس أخرى. أما التصور البنيوي فهو يهتم – انطلاقا من توجهه الخاص الذي يهتم بالبنية ولا يهمل الجنس التاريخي – بالتشكيل المنجز في لحظة ما، ومن ثم نجد أصحابه ينطلقون من جزئية تحليل البنية، للوصول للعنصر الفاعل، وقد كان هذا التوجه فاعلا في مقاربة السيرة الذاتية، لأنه يبحث عن عنصر مهيمن، ليس له صفة الثبات الموجودة في الآليات أو الأسس الموجودة، التي حددها التصور الكلاسيكي لنظرية الأجناس الأدبية. أما التوجه الأخير المرتبط بجنس السيرة الذاتية فهو التوجه المرتبط بنظريات ما بعد الحداثة، وهذه النظريات حاولت – برأي المؤلف - أن تنزل نظرية الأجناس الأدبية من كيانها الفوقي المتعالي، خاصة وهذه النظريات تنطلق من نفي فكرة الأصل الثابت، ونفي الجنس المنجز.

Tuesday, June 15, 2010

جريدة الحياة جوامع الكمد بساطة تركيب وفائض دلالي-عادل ضرغام

جاءت مقاربة «جوامع الكمد» لعيد الجيلي مقاربة تنطلق من مغادرة نسق سابق يرتبط بالتعبيرية الغنائية إلى نسق مغاير يرتبط بالتخلص من الفائض اللغوي، والاستناد إلى الاقتصاد اللغوي، بوصفه الاستخدام الكمي الأمثل للعلامات في حده الأدنى، لتفجير مدلولات تفوق القدرة المعجمية لتلك العلامات.

إن القصيدة القصيرة في شعره تقوم على البساطة اللغوية في مقابل مدى دلالي يرتبط بمناح فكرية ترصد الذات في قطاع طولي تأملي ممتد لوجودها الحياتي المعيش. وأشار تشارلز سيميك إلى هذا المنحى الإبداعي حين سئل عن كتابته ذلك اللون الشعري، حين قال: «كتبت قصائد طويلة إلى أن أدركت أن هناك قصائد قصيرة كثيرة، وهي تقول كل ما أريد قوله، وأنا أعجب من الكثير الذي يمكن أن يقال في كلمات قليلة».

إن هذا التوجه الإبداعي يحتاج إلى توجه نقدي، يعتبر العلامات ليست علامات ذات دلالة ساكنة، وإنما هي علامات تحتمل دلالات خاصة، ما يحولها في النهاية إلى رموز دافقة بالمعنى في سياق تأملي خاص، فحين يقول في قصيدة «مشابهة»: «للرغيف - سحنة القيد - لون الحياد العسيف»، فإن المتلقي يتوقف عند هذه القصيدة البسيطة المكونة من جملة نحوية، ليعاين المدى الدلالي، الذي ينطلق في الأساس من المشابهة بين القيد والرغيف، ولكن الجزء الأخير من النص (لون الحياد العسيف) يكشف عن طبيعة المشابهة، فالقيد معادل للعجز، وكذلك – الرغيف – يجعل الإنسان واقفاً في منطقة ما، بعيداً عن الانحياز لتوجه ما أو الإيمان بموقف. في إطار ذلك يتكون المنحى الفكري الخاص بالنص، وهو منحى تكرر في أكثر من نص شعري.

مقاربة القصيدة القصيرة – نظراً لبنيتها واقتصادها اللغوي – ترتبط بالعنوان الموضوع على هذه القصيدة، لأن دلالة العنوان – في إطار خصوصية القصيدة القصيرة – تصبح مهمة للمتلقي، فعلاقة العنوان بمتن النص علاقة أساسية، فقد يأتي العنوان متجاوباً مع المتن، وقد يكون جزءاً منه أثناء عملية القراءة، بحيث تضيع الحدود بين العنوان والمتن، وقد تحدث إزاحة مقصودة بين العنوان ومتنه، إضافة إلى أن مقاربة العنوان في سياق ارتباطه بالمتن يكون مهماً في رصد المفارقة، التي تأتي في القصيدة القصيرة، بوصفها آلية فاعلة، يختبر الشاعر من خلالها رؤيته، ويمتحنها في إطار حدة هذه المفارقة.

وفي إطار ذلك يمكن التوقف عند ظاهرة لافتة في شعره، تتمثل هذه الظاهرة في (تنكير العناوين)، فجميع قصائده جاءت بصيغة النكرة. وهذا التنكير يحمل دلالة مهمة ترتبط بتفريغ الدلالة القديمة المختزنة في الذهن، وإحلال الدلالة الجديدة التي يرصدها، وهذه الآلية تشير – أيضاً من طرف خفي – إلى خصوصية الرصد، وخصوصية الوعي، فإذا كانت للكلمة دلالة، فهو يقدم لها دلالة تشير إلى الفائض الشعري، وإذا كانت للمواقف الإنسانية المعشية دلالة، فهو يختزنها ويقدمها في إطار سياق مغاير. تقوم القصيدة القصيرة في شعر الحجيلي على زحزحة التطابق بين العنوان والمتن، ولن يتم ذلك إلا من خلال الوعي القديم بدلالة العنوان، والوعي الآني الذي يقدمه المتن، ففي قصيدة (مناضل) التي يقول فيها: «بعد أن ضجت الريح - في هدأة الطقس - واتزر الأفق - بالهمهمات - وآي الغبار - عب خمر اليمين - بكأس اليسار»، يدرك المتلقي أن علاقة العنوان بالمتن النصي (التي تشكل مفارقة) هي التي تساعد في الكشف عن دلالة النص، فمن دون كلمة (المناضل) لا يمكن أن نفهم النص فهماً مقبولاً، فالمناضل من سماته الاتكاء والثبات على المبدأ، سواء كان في جانب اليمين أو في جانب اليسار، ولكن النص الشعري لا يرصد صورة أولى للمناضل، وإنما يرصد صورة مرتبطة بالانعتاق من هذا الإيمان، وذلك بعد تبدل الرؤية أو عدم وضوحها من خلال (ضجت الريح) و«اتزر الأفق بالهمهمات وآي الغبار»، وكلها جزئيات تكشف عن عدم وضوح الرؤية، ما يولد في النهاية زلزلة اليقين والإيمان بالمبدأ، فينتقل من النقيض إلى النقيض.

إن حرف الدلالة بين العنوان والمتن يشكل مفارقة، لأن المتلقي أثناء القراءة يبحث عن الدلالة المؤسسة للعنوان داخل المتن، لكنه يكتشف أن هناك تحويراً لهذه الدلالة المتوقعة، فيحدث شيئان في وقت واحد، هدم للقديم، وبناء للجديد، ففي قصيدة «احتلال» سيدرك المتلقي أنه ليس هناك احتلال بالمعنى المعهود والمؤسس سابقاً، ولكن هذا العنوان يكون مهماً من خلال عمليتي الهدم والإضافة الخاصة بكلمة (احتلال)، ومن خلال قراءة النص، في بناء أفق جديد وثيق الصلة بالكلمة، فهو ليس الاحتلال الناجم عن القتال والهزيمة، وإنما هو احتلال الأنساق التكوينية التي تغلق كوى الضوء والنور.

إن هذه الأنساق التكوينية تتشكل في إطار جزئيات ثلاث: الأولى ترتبط بالسكون والوصايا والجواب المعلب، وهو تكوين مشدود لنسق الأمر والثبات، أما الجزئية الثانية فترتبط بإغلاق الكوى والنوافذ التي يمكن أن تغير وتخلخل طبيعة هذا الســــكون والثبات، من خلال فاعلية الحكم والأمثال. ويأتي التوجه الأخير وثيق الصلة بالتوجهين السابقين من خلال «رصاص الحكايات المخدر» و«حظر التجول في الضوء» و»الاعتصام أمام نوافذ أغنية». والجزئيات الثلاث تشير إلى نسق تكويني مكتف بما لديه، يغلق كل النوافذ، التي يمكن أن يكون مسببة للحركة والتغيير.

والإحساس بهذا النسق وجدله في إطار عنوان القصيدة، يحتاج إلى تبرير، من ثم يتجه النص الشعري إلى أثر سيطرة ذلك النسق بتوجهاته العديدة على الذات الفردية، فمن خلال نسق سردي قائم على ضمير الغياب تتشكل معالم الصورة الفردية، المقهورة تحت سيطرة واحتلال النسق التكويني العام.

في مقاربة العلاقة بين العنوان والمتن النصي في القصيدة القصيرة، ليس – بالضرورة – أن تكون هناك حرف للدلالة بينهما، وإنما يمكن أن يكون هناك تجاوب، بحيث يبني النص على الدلالة البسيطة للعنوان، دلالة جديدة، ولكنها منطلقة منه، ولكن تكمن قيمة النص الشعري في ذلك السياق في كونه يدخل بالدلالة إلى منحى تأملي قائم على التجربة، ومقاربة الحياة، ففي قصيدة «صفحة»: ألف الحب فاتحة - للغناء الطليق - ونافذة للمجاز الشفيف - فتنة - صفحة يتخايل في صدرها-عنفوان العناوين- يزهو المداد - ترف الحروف- ياؤه... نقطة آخر السطر - يابسة كجدار - وشاحبة كجناح نتيف». لن يجد المتلقي عناء في زحزحة دلالة الصفحة لتدل على شعر الشاعر، وفي ذلك الإطار ستنفتح دلالة النص خاصة بعد مجيء النص مقسما إلى قسمين، الأول (ألف)، والأخير (ياء)، وبينهما مساحة بيضاء. فالألف – التي تشكل في ذلك السياق البداية – تمثل الشعرية الأولى، بينما تأتي الياء لتشير إلى شعرية فقدت منطلقاتها الأساسية. والوقوف عند الصور المجهرية، التي ارتبطت بكل نسق سيكشف عن طبيعة كل شعرية، ففي الشعرية الأولى تأتي الصور الآتية (الغناء الطليق – المجاز الشفيف – عنفوان العناوين – يزهو المداد – ترف الحروف) وكلها تشير إلى الحركة والقدرة على الفعل، مما يكشف عن شعرية مؤمنة بمنطلقاته.

أما المستوى الأخير (الياء) فيشير إلى تناقض مباين عن السابق، ويكشف عن مفارقة واضحة، مما يكشف عن فاعلية الواقع في كسر حركة هذه الشعرية وجعلها شعرية باردة، غير قادرة على التحليق والنفاذ، وذلك من خلال الصور المجهرية «نقطة آخر السطر يابسة كجدار – شاحبة كجناح نتيف». قد تكون الدلالة مرتبطة بالتباين بين شعرية أولى لها إيمان بقدرتها، وشعرية وطنت على الخضوع، ولكن يمكن النظر إليها نظرة أخرى مرتبطة بالتطور، الذي يلحق بالشعرية وتحولها من مرحلة إلى مرحلة، وفي كل مرحلة تفقد جماليات سابقة، وتكتسب جماليات مغايرة.

إن القصيدة القصيرة عند عيد الحجيلي تبنى على المفارقة أو على الضربة الدلالية، التي تستحضر البون الشاسع بين السابق والآني، أو بين الطفولة بانعتاقها والنمو العمري والمعرفي، الذي يولد ويشكل الأسئلة الوجودية التي تلازمنا على الدوام، وهي غالباً قائمة على البساطة التركيبية، فهي قد تكون جملة من مبتدأ وخبر مثل «الصمت محبرة الكلام» أو جملة شرطية مثل «كلما أينعت رعشة في شفاهك حان قطافي». ولكن هذه البساطة التركيبية تعطي فائضاً دلالياً قائماً على التأمل، وهذا قد يفسر تداخل المناحي الفكرية وتكرارها في بعض القصائد، لأن هذه القصائد نتجت من ذات مبدعة مشدودة إلى عالمها الخاص ووعيها المتفرد.

* ناقد مصري.